ولمّا عرضت الدّوابّ ، أبطلت الرّهجيّة ، وعاد استفتاح المقرئين ، وكانوا محسنين فيما ينتزعونه من القرآن الكريم ممّا يوافق الحال ، مثل الآية من آل عمران :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
[ الآية 14 سورة آل عمران ] إلى آخرها ، ثم بعدها
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
[ الآية 26 سورة آل عمران ] إلى آخرها .
وعرضت الوحوش بالأجلّة الدّيباج «
a
» مزيّنة بالذّهب والفضّة . وعرضت العمّاريات بالأغشية الطّميم والدّيباج «
a
» والدّبيقي بقباب الذّهب والمناطق والأهلّة ، وبعدها النّجب والبخاتي بالأقتاب الملبّسة بالدّبيقي الملوّن المرقوم ، وعرض السّلاح وآلات الموكب جميعها ، ونصبت الكسوات على باب العيد ، وضربت طول اللّيل .
وحملت الفطرة الخاصّ التي يفطر عليها الخليفة بأصناف الجوارشنات بالمسك والعود والكافور والزّعفران ، والتّمور المصبّغة التي يستخرج ما فيها وتحشى بالطّيب وغيره وتسدّ وتختم ، وسلّمت للمستخدمين في القصور ، وعبّئت / في مواعين الذّهب المكلّلة بالجواهر ، وخرجت الأعلام والبنود . وركب المأمون ، فلمّا حصل بقاعة الذّهب ، أخذ في مشاهدة السّماط من سرير الملك إلى آخرها .
وخرج الخليفة لوقته من الباذهنج ، وطلع إلى سرير ملكه وبين يديه الصّواني المقدّم ذكرها ، واستدعى بالمأمون فجلس عن يمينه بعد أداء حقّ السّلام ، وأمر بإحضار الأمراء المميّزين والقاضي والدّاعي والضّيوف ، وسلّم كلّ منهم على حكم ميزته ، وقدمت الرّسل فشرفوا بتقبيل الأرض ، والمقرئون يتلون ، والمؤذّنون يهلّلون ويكبّرون .
وكشفت القوّارات الشّروب «
b
» المذهّبات عمّا هو بين يدي الخليفة ، فبدأ وكبّر ، وأخذ بيده تمرة فأفطر عليها ، وناول مثلها لوزيره «
c
» فأظهر الفطر عليها ، وأخذ الخليفة في آن يستعمل من جميع ما حضر ، ويناول وزيره منه وهو يقبّله ويحمله في كمّه .
وتقدّمت الأجلّاء «
d
» الإخوة والأولاد - يعني «
d
» إخوة الوزير وأولاده - من تحت السّرير ، وهو يناولهم من يده ، فيجعلونه في أكمامهم بعد تقبيله ، وأخذ كلّ من الحاضرين كذلك ، ويومئ بالفطور ويجعله في كمّه على سبيل البركة . فمن كان رأيه الفطور أفطر ، ومن لم يكن رأيه أومأ وجعله في كمّه لا ينتقد على أحد فعله .
هامش
(a - a) ساقطة من بولاق .
(b) بولاق : الشرب . والمثبت من مسودة المواعظ .
(c) بولاق : الوزير .
(d - d) زيادة من مسودة المواعظ .