تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 755

مساهمون:

ص٧٥٥
الزائدة على الشّهور ، وساقوها معها على الدّهور ، وكبسوا الرّبع في كلّ أربع سنين يوما ، ورسموا أن يكون إلى شباط مضافا فقرّبوا ما بعّده غيرهم ، وسهّلوا على الناس أن يقتفوا أثرهم ، لا جرم أنّ المعتضد باللّه - صلوات اللّه عليه - على أصولهم بنى ، ولمثالهم احتذى في تصييره نوروزه اليوم الحادي عشر من حزيران ، حتى سلم مما لحق النواريز في سالف الأزمان ، وتلافوا الأمر في عجز سني الهلال عن سني الشمس ، بأن جبروها بالكبس ، فكلّما اجتمع من فضول سني الشمس ما يفي بتمام شهر جعلوا السنة الهلاليّة التي يتّفق ذلك فيها ثلاثة عشر هلالا ، فربّما تمّ الشهر الثالث عشر في ثلاث سنين وربّما تمّ في سنتين بحسب ما يوجبه الحساب ، فتصير سنتا الشمس والهلال عندهم متقاربتين أبدا لا يتباعد ما بينهما . وأمّا العرب فإنّ اللّه - جلّ وعزّ - فضّلها على الأمم الماضية ، وورّثها ثمرات مساعيها المتعبة ، وأجرى شهر صيامها ومواقيت أعيادها وزكاة أهل ملّتها ، وجزية أهل ذمّتها ، على السنة الهلاليّة ، وتعبّدها فيها برؤية الأهلّة ، إرادة منه أن تكون مناهجها واضحة ، وأعلامها لائحة ، فيتكافأ في معرفة الغرض ودخول الوقت الخاصّ منهم والعام ، والناقص الفقه والتام ، والأنثى والذكر ، وذو الصّغر والكبر ، فصاروا حينئذ يجبون في سنة الشمس حاصل الغلّات المقسومة وخراج الأرض الممسوحة ، ويجبون في سنة الهلال الجوالي والصّدقات والأرجاء والمقاطعات والمستغلّات ، وسائر ما يجري على المشاهرات ، وحدث من التعاظل والتداخل بين السنين ما لو استمر لقبح جدّا ، وازداد بعدا ، إذ كانت الجباية الخراجية في السنة التي تنتهي إليها تنسب في التسمية إلى ما قبلها فوجب مع هذا أن تطرح تلك السّنة وتلغى ، ويتجاوز إلى ما بعدها ويتخطّى ، ولم يجز لهم أن يقتدوا بمخالفيهم في كبس سنة الهلال بشهر ثالث عشر ؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لتزحزحت الأشهر الحرم عن مواقعها ، وانحرفت المناسك عن حقائقها ، ونقصت الجباية عن سني الأهلّة القبطية بقسط ما استغرقه الكبس منها ، فانتظروا بذلك الفضل إلى أن تتمّ السنة ، وأوجب الحساب المقرّب أن يكون كلّ اثنتين وثلاثين سنة
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 755 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد