تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 754

مساهمون:

ص٧٥٤
النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
[ الآية 29 سورة لقمان ] ، وقال :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ الآية 38 سورة يس ] . وقال عزّت قدرته :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[ الآية 39 سورة يس ] . ففضّل اللّه تعالى في هذه الآيات بين الشمس والقمر ، وأنبأنا في الباهر من حكمه ، والمعجز من كلمه ، أنّ لكلّ منهما طريقا سخّر فيها وطبيعة جبل عليها ، وأن كلّ تلك المباينة والمخالفة في المسير ، تؤدّي إلى موافقة وملازمة في التدبير ؛ فمن هنالك زادت السنة الشمسة فصارت ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربعا بالتقريب المعمول عليه ، وهي المدّة التي تقطع الشّمس فيها الفلك مرّة واحدة ، ونقصت السنة الهلالية فصارت ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما وكسرا ، وهي المدّة التي يجامع القمر فيها الشمس اثنتي عشرة مرة ، واحتيج إذا انساق هذا الفضل إلى استعمال النّقل الذي يطابق إحدى السنتين بالأخرى إذا افترقتا ، ويداني بينهما إذا تفاوتتا . وما زالت الأمم السّالفة تكبس زيادات السنين على افتنان من طرقها ومذاهبها ، وفي كتاب اللّه - عزّ وجلّ - شهادة بذلك إذ يقول في قصّة أهل الكهف :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
[ الآية 25 سورة الكهف ] . فكانت هذه الزيادة بأن الفضل في السنين المذكورة على تقريب التقريب . فأمّا الفرس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر شهرا ، وأيامها ثلاث مائة وستون يوما ، ولقّبوا الشهور اثني عشر لقبا ، وسمّوا أيام الشهر منها ثلاثين اسما ، وأفردوا الأيّام الخمسة الزائدة ، وسمّوها المسترقة وكبسوا الرّبع في كل مائة وعشرين سنة شهرا . فلمّا انقرض ملكهم ، بطل في كبس هذا الربع تدبيرهم ، وزال نوروزهم عن سنّته ، وانفرج ما بينه وبين حقيقة وقته ، انفراجا هو زائد لا يقف ، ودائر لا ينقطع ، حتّى إنّ موضوعهم فيه أن يقع في مدخل الصّيف وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الشّتاء ، ويتجاوز ذلك ، وكذلك موضوعهم في المهرجان أن يقع في مدخل الشتاء ، وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الصّيف ويتجاوزه . وأمّا الرّوم فكانوا أتقن منهم حكمة وأبعد نظرا في عاقبة : لأنهم رتّبوا شهور السنة على أرصاد رصدوها ، وأنواء عرفوها ، وفضّوا الخمسة الأيام