تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
اليقين في صدورها ، ولا أن يقتصر على اللّمحة الدالّة في مخاطبة جمهورها ، حتّى إذا استوت الأقدام بطوائف النّاس في فهم ما أمروا به وفقه ما دعوا إليه وصاروا فيه على كلمة سواء لا يعترضهم شكّ الشاكّين ولا استرابة المستريبين ، اطمأنّت قلوبهم ، وانشرحت صدورهم ، وسقط الخلاف بينهم ، واستمر الاتفاق فيهم ، واستيقنوا أنهم مسوسون على استقامة من المنهاج ، ومحروسون من جرائر الزّيغ والاعوجاج ؛ فكان الانقياد منهم وهم دارون عالمون ، لا مقلّدون مسلّمون ؛ وطائعون مختارون ، لا مكرهون ولا مجبرون . وأمير المؤمنين يستمدّ اللّه تعالى في جميع أغراضه ومراميه ، ومطالبه ومغازيه ، مادّة من صنعه تقف به على سنن الصّلاح ، وتفتح له أبواب النّجاح ، وتنهضه بما أهّله لحمله من الأعباء التي لا يدّعي الاستقلال بها إلّا بتوفيقه ومعونته ، ولا يتوجه فيها إلّا بدلالته وهدايته ، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل . وأمير المؤمنين يرى أنّ أولى الأقوال أن يكون سدادا ، وأحرى الأفعال أن يكون رشادا ، ما وجد له في السابق من حكم اللّه أصول وقواعد ، وفي النّص من كتابه آيات وشواهد ؛ وكان مفضيا بالأمة إلى قوام من دين ودنيا ، ووفاق في آخرة وأولى ، فذلك هو البناء الذي يثبت ويعلو ، والغرس الذي ينبت ويزكو ، والسّعي الذي تنجح مباديه وهواديه ، وتبهج عواقبه وتواليه ، وتستنير سبله لسالكيها ، وتوردهم موارد السعود في مقاصدهم فيها ، غير ضالّين ولا عادلين ، ولا منحرفين ولا زائلين . وقد جعل اللّه - عزّ وجلّ - لعباده من هذه الأفلاك الدائرة ، والنّجوم السائره ، فيما تتقلّب عليه من اتّصال وافتراق ، ويتعاقب عليها من اختلاف واتّفاق ، منافع تظهر في كرور الشّهور والأعوام ، ومرور اللّيالي والأيّام ، وتناوب الضّياء والظلام ، واعتدال المساكن والأوطان ، وتغاير الفصول والأزمان ، ونشء النّبات والحيوان ، فما في نظام ذلك خلل ، ولا في صنعة صانعه زلل ، بل هو منوط بعضه ببعض ، ومحوط من كلّ ثلمة ونقض ، قال اللّه سبحانه :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الآية 5 سورة يونس ] ، وقال جلّ من قائل :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 753 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد