« ما أنتم في الأمم قبلكم إلّا كالشّعرة البيضاء في الثّور الأسود ، والشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض » .
وهذه نسبة من تدبّرها ، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنّه الأكثر ، علم أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلّا اللّه تعالى .
وكذلك قوله عليه السّلام : « بعثت أنا والسّاعة كهاتين » ، وضمّ أصبعيه المقدّستين السّبّابة والوسطى - وقد جاء النّصّ بأنّ السّاعة لا يعلم متى تكون إلّا اللّه تعالى لا أحد سواه - فصحّ أنّه صلّى اللّه عليه وسلم إنّما عنى شدّة القرب لا فضل السّبّابة على السّبّاحة ، إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الأصبعين ونسب من طول الأصبع ، فكان يعلم بذلك متى تقوم السّاعة ، وهذا باطل .
وأيضا فكان تكون نسبته صلّى اللّه عليه وسلم إيّانا إلى من قبلنا بأنّنا كالشّعرة في الثّور كذبا - ومعاذ اللّه من ذلك - فصحّ أنّه عليه السّلام إنّما أراد شدّة القرب .
وله صلّى اللّه عليه وسلم منذ بعث أربع مائة « 1 » عام ونيّف ، واللّه تعالى أعلم بما بقي للدنيا . فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما سلف ، لقلّته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى ، فهو الذي قاله صلّى اللّه عليه وسلم من أنّنا فيمن مضى كالشّعرة في الثّور أو الرّقمة في ذراع الحمار .
وقد رأيت بخطّ الأمير أبي محمّد عبد اللّه بن النّاصر قال : حدّثني محمد بن معاوية القرشي أنّه رأى بالهند بدّا «
( a
» له اثنتان وسبعون ألف سنة .
وقد وجد محمود بن سبكتكين بالهند مدينة يؤرّخون بأربع مائة ألف سنة .
قال أبو محمّد : إلّا أنّ لكلّ ذلك أوّلا ولا بدّ ونهاية ، لم يكن شيء من العالم موجودا قبله ،
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
« 2 » [ الآية 4 سورة الروم ] .
هامش
( aبولاق : بلدا .
( 1 ) هذا كلام ابن حزم ، حيث توفي سنة 456 ه / 1064 م .
( 2 ) ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، القاهرة 1320 ه ، 2 : 105 - 106 .