تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧

ذكر تأريخ الخليقة

اعلم أنّه لمّا كانت الحوادث لابدّ من ضبطها ، وكان لا يضبط ما بين العصور وبين أزمنة الحوادث إلّا بالتأريخ المستعمل العام الذي لا ينكره الجماعة أو أكثرها ، وذلك أنّ التأريخ المجمع عليه لا يكون إلّا من حادث عظيم يملأ ذكره الأسماع . وكانت زيادة ماء النّيل ونقصانه إنّما يعتبرهما أهل مصر ويحسبون أيّامهما بأشهر القبط ، وكذلك خراج أراضي مصر إنّما يحسبون أوقاته بذلك ، وهكذا زراعات الأراضي إنّما يعتمدون في أوقاتها أيّام الأشهر القبطية عادة ، وسلكوا فيها سبيل أسلافهم ، واقتفوا مناهج قدمائهم - وما برح النّاس من قديم الدّهر أسراء العوايد - احتيج في هذا الكتاب إلى إيراد جملة من تواريخ «
( a
» الخليقة لتعيين موقع تآريخ القبط منها ، فإنّ بذكر ذلك يتمّ الغرض . فأقول : التّأريخ عبارة عن يوم ينسب إليه ما يأتي بعده ، ويقال أيضا : التأريخ عبارة عن مدّة معلومة ، تعدّ من أوّل زمن مفروض ، لتعرف بها الأوقات المحدودة ؛ ولا غنى عن التأريخ في جميع الأحوال الدّنيوية والأمور الدّينية ؛ ولكلّ أمّة «
b )
» من أمم البشر «
( b
» تأريخ تحتاج إليه في معاملاتها وفي معرفة أزمنتها ، تنفرد به دون غيرها من بقيّة الأمم . وأوّل الأوائل القديمة وأشهرها هو كون مبدأ البشر ، ولأهل الكتاب من اليهود والنّصارى والمجوس في كيفيته وسياقة التأريخ منه خلاف لا يجوز مثله في التواريخ . وكلّ ما تتعلّق معرفته ببدء الخلق وأحوال القرون السّالفة ، فإنّه مختلط بتزويرات وأساطير ، لبعد العهد وعجز المعتنى به عن حفظه . وقد قال اللّه سبحانه وتعالى :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ
[ الآية 9 سورة إبراهيم ] . فالأولى ألّا يقبل من ذلك إلّا ما يشهد به كتاب أنزل من عند اللّه يعتمد على صحّته لم يرد فيه نسخ ولا طرقه تبديل ، أو خبر ينقله الثّقات . وإذا نظرنا في التأريخ وجدنا فيه بين الأمم خلافا كبيرا . وسأتلو عليك من ذلك ما لا أظنّك تجده مجموعا في كتاب ، وأقدّم بين يدي هذا القول ما قيل في مدّة بقاء الدّنيا «
( c
» .
هامش
( aبولاق : تاريخ .( b - b )ساقطة من ظ .( cظ : وسأقص عليك من نبأ ذلك - ومن ذلك ما قيل في مدة بقاء الدنيا - ما لا تجده مجموعا في غير هذا الكتاب .