تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
قال : ولا ينبغي لأحد أن ينكر كثرة بنيانهم ، ولا مدائنهم ولا ما نصبوه من الأعلام العظام ، فقد كان للقوم بطش لم يكن لغيرهم ، وإنّ آثارهم لبيّنة ، مثل الأهرام والأعلام والإسكندرية ، وما في صحاري الشّرق ، والجبال المنحوتة التي جعلوا كنوزهم فيها والأدوية المنحوتة ، ومثل ما بالصّعيد من البرابي وما نقشوه عليها من حكمتهم ؛ فلو تعاطى جميع ملوك الأرض أن يبنوا مثل الهرمين ما تهيّأ لهم ، وكذلك أن ينقشوا بربا لطال بهم الأمد ولم يمكنهم . وحكي عن قوم من البنّائين ، في ضياع الغرب ، أنّ عاملا عندهم عنف بهم ، ففرّوا في صحراء الغرب ومعهم زاد إلى أن تنصلح أحوالهم ويرجعوا ؛ فلمّا كانوا على مسيرة يوم وبعض آخر ، قدموا إلى سفح جبل ، فوجدوا عيرا أهليّا قد خرج من بعض الشّعاب ، فتبعه بعضهم ، فانتهى إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطّرد « 1 » ، وقوم هناك / يرعون ولهم مساكن ، وكلّمهم وأعجب بهم . فجاء إلى أصحابه ، وقدم بهم على أولئك القوم ، فسألوهم عن حالهم فأخبروهم ، وأقاموا عندهم حتى صلحت أحوالهم ، وخرجوا ليأتوا بأهاليهم ومواشيهم ويقيموا عندهم ، فساروا مدّة وهم لا يعرفون الطّريق ولا يتأتّى لهم العود ، فأسفوا على ما فاتهم . وضلّ آخرون عن الطّريق في الغرب ، فوقعوا على مدينة عامرة كثيرة النّاس والمواشي والنّخل والشّجر ، فأضافوهم وأطعموهم وسقوهم ، وباتوا في طاحونة ، فسكروا من الشّراب وناموا ، فلم ينتبهوا إلّا من حرّ الشّمس ، فإذا هم في مدينة خراب ليس فيها أحد ؛ فخافوا وخرجوا ، وظلّوا يومهم سائرين إلى المساء ، فظهرت لهم مدينة أكبر من الأولى وأعمر : وأكثر أهلا وشجرا ومواشي ، فأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة الأولى ، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون ، وانطلقوا بهم إلى وليمة لبعض أهل المدينة ، فأكلوا وشربوا وغنّوهم «
( a
» حتى سكروا . فلمّا كان من الغد انتبهوا ، فإذا هم في مدينة عظيمة ليس فيها أحد ، وحولها نخل قد تساقط ثمرة وتكدّس . فخرجوا ، وهم يجدون ريح الشّراب ومعاني «
( b
» الخمار ، فساروا يوما إلى المساء ، وإذا راع يرعى غنما ، فسألوه عن الطّريق فدلّهم ، فساروا بعض يوم من الغد ، فوصلوا مدينة الأشمونين بالصّعيد .
هامش
( aبولاق : غنوا بهم .( bبولاق : مبادي . ( 1 ) تطّرد : تجري .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 636 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد