تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
خلقا كثيرا . وأدرك الناس الشّتاء ، وهاج البحر على مخيّم المسلمين وغرّقهم ، فعظم البلاء وتزايد الغمّ . وألحّ الفرنج في القتال ، وكادوا أن يملكوا ، فبعث اللّه ريحا قطعت مراسى مرمّة الفرنج - وكانت من عجائب الدّنيا - فمرّت إلى برّ المسلمين فأخذوها ، فإذا هي مصفّحة بالحديد لا تعمل فيها النّار ، ومساحتها خمس مائة ذراع ، فكسروها فإذا فيها مسامير زنة الواحد منها خمسة وعشرون رطلا . وبعث الكامل إلى الآفاق سبعين رسولا ، يستنجد أهل الإسلام لنصرة المسلمين ، ويخوّفهم من غلبة الفرنج على مصر . فساروا في شوّال ، وأتته النّجدات من حماة وحلب . وبينا الناس في ذلك ، إذ طمع الأمير عماد الدين أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد الهكّاري المعروف بابن المشطوب في الملك الكامل عندما بلغه موت الملك العادل . وكان له لفيف ينقادون إليه ويطيعونه ، وكان أميرا كبيرا مقدّما عظيما في الأكراد الهكّارية ، وافر الحرمة عند الملوك ، معدودا بينهم مثل واحد منهم . وكان مع ذلك عالي الهمّة ، غزير الجود ، واسع الكرم ، شجاعا ، أبيّ النّفس ، تهابه الملوك ، وله الوقائع المشهورة . وهو من أمراء الدولة الصلاحية يوسف «
( a
» . فاتّفق مع جماعة من الجند والأكراد على خلع الملك الكامل ، وإقامة أخيه الملك الفائز إبراهيم ليصير له الحكم . ووافقه الأمير عزّ الدين الحميدي ، والأمير أسد الدين الهكّاري ، والأمير مجاهد الدين وجماعة من الأمراء . فلمّا بلغ ذلك الملك الكامل ، دخل عليهم وهم مجتمعون والمصحف بين أيديهم ليحلفوا للفائز ، فلمّا رأوه انفضّوا ، فخشي على نفسه وخرج «
( b
» . فاتّفق وصول الصّاحب صفيّ الدين بن شكر من آمد إلى الملك الكامل - فإنّه كان استدعاه بعد موت أبيه - فتلقّاه وأكرمه وذكر له ما هو فيه ، فضمن له تحصيل المال . فلمّا كان في اللّيل ركب الملك الكامل وتوجّه من العادلية في جريدة إلى أشموم طناح ، فنزلها . وأصبح العسكر بغير سلطان ، فركب كلّ منهم هواه ، ولم يعطف الأخ على أخيه ، وتركوا أثقالهم / وخيامهم وأموالهم وأسلحتهم ، ولحقوا بالسّلطان . فبادر الفرنج في الصّباح إلى مدينة دمياط ، ونزلوا البرّ الشرقيّ يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة بغير منازع ولا مدافع ، وأخذوا سائر ما كان في عسكر المسلمين وكان شيئا لا يحيط به الوصف . وداخل السّلطان وهم عظيم ، وكاد أن يفارق البلاد ، فإنّه تخيّل من جميع من معه .
هامش
( aبولاق : دولة صلاح الدين يوسف .( bبولاق : فخرج .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 588 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد