تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
وأكثر العسكر ، وأخذوا في هدمه ، وأقاموا على ذلك شهورا ، ثم تركوه عن عجز وخسران مبين في المال والعقل . ومن يرى حجارة الهرم يقول : إنّه قد استوصل الهرم ، ومن يرى الهرم لا يجد به إلّا تشعيثا يسيرا . وقد أشرفت على الحجّارين فقلت لمقدّمهم : هل تقدرون على إعادته ؟ فقال : لو بذل لنا السّلطان عن كلّ حجر ألف دينار لم يمكنّا ذلك « 1 » . وقال أبو الحسن المسعودي في كتاب « مروج الذّهب » : وأمّا الأهرام ، فطولها عظيم وبنيانها عجيب ، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السّالفة والممالك الدّاثرة ، لا يدرى ما تلك الكتابة ولا المراد بها . وقد قال من عني بتقدير ذرعها : إنّ مقدار ارتفاع الهرم الكبير ، ذهابا في الجو ، نحو أربع مائة ذراع أو أكثر ، وكلّما غلا به الصّعداء «
( a
» دقّ ذلك ، والعرض نحو ما وصفنا . وعليها من الرّسوم علوم وخواصّ وسحر وأسرار الطبيعة ، وإنّ من تلك الكتابة مكتوب «
( b
» : « إنّا بنيناها ، فمن يدّعي موازاتنا في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاء أمر السّلطان «
( c
» ، فليهدمها وليزل رسمها ، فإنّ الهدم أيسر من البناء ، والتفريق أسهل «
( d
» من التأليف » . وقد ذكر أنّ بعض ملوك الإسلام شرع في هدم بعضها ، فإذا خراج مصر [ وغيرها من الأرض ] «
( e
» لا يفي بقلعها ، وهي من الحجر والرّخام « 2 » . وأنّها قبور الملوك ، وكان الملك منهم إذا مات وضع في حوض من حجارة - ويسمّى بمصر والشّام الجرون «
( f
» - وأطبق عليه ، ثم يبنى من الهرم على مقدار ما يريدون من ارتفاع الأساس ، ثم يحمل الحوض ويوضع وسط الهرم ، ثم يقنطر عليه البنيان والأقباء «
( g
» ، ثمّ يرفعون البناء على هذا المقدار الذي يرونه ، ويجعل باب الهرم تحت الهرم ، ثم يحفر له طريق في الأرض ، ويعقد أزج طوله تحت الأرض مائة ذراع أو أكثر . ولكلّ هرم من هذه الأهرام باب مدخله على ما وصفت . قال : وكان القوم يبنون الهرم من هذه الأهرام مدرّجا ذا مراق كالدّرج ، فإذا فرغوا نحتوه من فوق إلى أسفل ، فهذه كانت حيلتهم . وكانوا مع ذلك لهم قوّة وصبر وطاعة « 3 » .
هامش
( aبولاق : صعد .( bبولاق : مكتوبا .( cفي مروج الذهب : وبلوغنا في . . . وانتهاءنا من السلطان .( dمروج : أيسر .( eزيادة من مروج الذهب .( fمروج : الجرن .( gساقطة من بولاق . ( 1 ) عبد اللطيف البغدادي : الإفادة والاعتبار 48 - 49 ؛ الإدريسي : أنوار علوي 40 - 41 سماعا عن عبد اللطيف البغدادي ؛ وفيما يلي 327 - 328 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب 2 : 90 - 91 . ( 3 ) نفسه 2 : 77 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 1 : 41 .