الهدف الأساس من خلق الإنسان إنّما هو معرفة اللّه والوصول إلى درجة حبّه والأنس به ، ولا يمكن حصول هذين الأمرين إلّا بتصفية القلب .
وهو أمر عسير يتمثّل في كفّ النفس عن الشّهوات ، والانقطاع عن الدّنيا الدنيّة ، وايقاعها على المشاقّ من العبادات ظاهريّة وباطنيّة .
ومن هنا لم يجعل الشارع المقدّس العبادات على نسق واحد ، بل جعلها مختلفة ، لأنّ كلّ واحد منها يطهّر رذيلة معيّنة من الرذائل ؛ فإذا زاولها المكلّف بأجمعها طهّرته تطهيرا كاملا ؛ فصدقات الحقوق الماليّة وأداؤها يقطع رغبة الإنسان في حطام الدنيا ، والصيام يقطع رغبة الإنسان في مشتهياته النفسانيّة ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهكذا شأن سائر العبادات .
والحجّ مجمع العناوين وزيادة ، لأنّه يشتمل على جملة من الأعمال الشاقّة التي يعدّ كلّ منها بذاته صالحا لتصفية النفس وتطهيرها ، مثل إنفاق المال الكثير ، والانقطاع عن الأهل والأولاد والوطن ، والحشر مع النفوس الشرّيرة ، وطيّ المنازل البعيدة ، مع الابتلاء بالعطش في الحرّ الشديد في بعض الأوان ، والوقوع على أعمال غير مأنوسة لا تقبلها الطباع ، من الرّمي والطّواف والسّعي والإحرام وغير ذلك .
وللحجّ فضائل كثيرة أيضا ، من قبيل تذكّر أحوال الآخرة برؤية أصناف الخلق ، والتجمّع الكبير ، والزحام في صقع واحد على نهج واحد ،
تذكرة المتقين في آداب السلوك وتزكية النفس — صفحة 73
مساهمون: الشيخ محمد البهاري الهمداني
ص٧٣