في حال الفراعنة ، فلا بدّ أن يقلّ سروره بالدّنيا وشهواتها ، ويهون أمله وينكسر قلبه عن لذّاتها ، إذ العاقل من جرّد نفسه للمنيّة ، وهيّأها للتنعّم والتّحيّة . وإن شئت حصول ذلك فتفكّر في حال نظرائك الموتى الّذين كانوا منهمكين في الشّهوات بطول آمالهم وسوء أحوالهم : كيف انتقلوا من أنس العشرة إلى وحشة الهجرة ، ومن فسح القصور إلى ضيق القبور ، ومن التّرف والتنعّم وحسن الصّورة إلى قبح المنظر والسّيرة ، وسائل قبره ذلك بلسان فصيح وبيان مليح ، وقل :
بالله يا قبر ، هل زالت محاسنه * وهل تغيّر ذاك المنظر النّضر ؟
فإنّه سيجيبك بأتمّ الأجوبة وأكمل البيان :
لقد تبدّدت عظامه عن بعضها مفصلا مفصلا ، وأفنت الدّيدان لحمه وشحمه « 1 »
مع أنّه كان غافلا عن هذه الأحوال ، وحريصا في تدبير المنازل وجمع الأموال ، وقس حسرات نفسك عليه . وكيف كان ، فاغتنم يا حبيبي .
إنّ حال النّاس في ذكر الموت وحالاته على أقسام ؛ فإنّهم بين منهمك في الدّنيا وشهواتها ، وخائض في غمرات لذّاتها ، وبين سالك مبتدي وعارف منتهي . والأوّل لا يذكر الموت إلّا ذمّا ؛ لصدّه إيّاه عن محبوبه ، وكونه حاجبا له عن مطلوبه ، بل يفرّ منه ويعاديه ، وإن كان - لا بدّ - ملاقيه ، فلا يستفيد من ذكره إلّا بعدا . والثّاني يستعدّ بذكره لاقتناء الخيرات ، والمسارعة إلى تحصيل
هامش
( 1 ) - في المتن :استخوآنها بندبند از هم جدا * كرد كرمان لحم وشحمش را فنا