وبلاد التتار خدع غالبا الأشقياء من السّفار الّذين يبحثون عمّا يطفئ عطشهم المضني لهم المحتدم كالنّار ، وقد أحيط بالنجف سور ذو بدنات في زواياه ، ولما تهددها الوهابيون بالهجوم أرسل النواب آصف الدولة مبلغا عظيما من المال لفقراء المدينة ، فجمعهم حاكمها في الحال ، وقال لهم إنّه بدلا من أن يوزع فيهم هذا المال ، كما جرت العادة فهو يقترح عليهم أن ينفقوه في حفر خندق محكم يحفظهم من جهمات أعدائهم ، فوافقوا في الحين ، وفي أثناء إقامتي بالنجف كانت الأعمال في ذلك مستمرة بنشاط . وقبر علي صهر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأوّل الأئمّة وكذلك المثاوي الّتي تحيط بالصحن وباب المدخل مشيدة بهندسة عمارية أنيقة والقبّة والأبراج المغشاة بالقرميد المذهب قد أعيد بناؤها على يد أحد المقربين من نادر شاه . وقد غشوا داخل قبّة المشهد بالقرميد المزوّق « 1 » وكذلك جدران المباني المجاورة له ، وقبالة المشهد دكة واسعة من المرمر الأبيض ، وعليها يستريح الزوار ، وأبواب المشهد والقبر نفسه والقبّة الصغيرة الّتي تعلق عليه مصنوعة من الفضة الثخينة ، وقد بعث إلى الكاظمين بقسم كبير من الأشياء الثمينة الّتي تزين هذا المشهد ، لحفظها ومع ذلك لا يزال المشهد محتويا على بسط فاخرة ومصابيح من الفضة وشمعدانات ذات أثمان غالية . والزوار الصالحون بعد أن يقوموا بواجب زيارة القبر يأوون إلى زاوية من زوايا المشهد ويقرؤون مرثية في الحسين وكلاما في مناقبه ، وكان ابنه زين العابدين ، كما قيل ، قد جاء برأسه من الشام ودفنه في هذا الموضع ، وهذا الاحتفال الديني إذا انتهى يمشي الزوار إلى القبر ويركعون مرتين احتراما لآدم ونوح فإنّهما دفنا في هذا الموضع كما يؤكده الحراس .
وخارج القبر في الممشى المؤدّي إلى الباب كان قد دفن الشاه عبّاس ، وفي الجانب الآخر من البنيان بالقرب من الدكة حيث يصلي النّاس مسجد صغير فيه قبر محمّد خان قاجار آخر ملوك الفرس ، ويبخر عنده دائما بعيدان الندّ والكافور في شمعدانات من الفضة ، وعند القبر أفراد أتقياء يقرؤون ليل نهار آيات من القرآن ، وكل هذا التكريم لمحمّد خان ( ميتا ) في
هامش
( 1 ) أراد الكاشي أي الآجر الكاشي . ( المترجم ) .