إيلكن « رئيس أفندي » أي وزير الشؤون الخارجية ، فرجا منّي أن أسرّه بزيارتي له في اليوم الثالث ، وبالساعة المعينة ذهبت إليه « 1 » فاستقبلني استقبالا جميلا جدا وأمر بتقديم القهوة والهوكاه « 2 » إليه ، وإذ كان لا يعرف الفارسية ، وبعيدا عن كل معرفة أدبية رجوت منه أن يدخلني على الوزير الأوّل « يوسف باشا » فوافق على ذلك وأرسل في الحال برسالة إلى السيّد المذكور لإعلامه بما أريد .
وسدد جميع الوزراء في قسم واحد من القصر السلطاني ، يدخل فيه من رتاج يسميه الأتراك « باب همايون » أي الباب السلطاني وهو الّذي يترجم الأوروبيون اسمه بالباب السامي ، وفي داخل هذا السور تقرّر جميع شؤون السلطنة ، ومن داخله يبعث بجميع الكتب السياسية ، وجميع الوزراء يجتمعون مبكرين في مثوى الوزير الأوّل ، وبعد أن يستشيروه في حال شؤون السلطنة ينهضون إلى سدد وزاراتهم الخاصّة بهم فيقضون كل النّهار . إنّ تجاوز هذه الوزارات المختلفة يسهّل كثيرا إسراع قضاء الأمور ، ويفيد فوائد يجب على الحكومات الأخرى الحصول عليها ، وذلك باتباع هذا النظام نفسه في التجاور والالتئام . ورجع رسول « ريس أفندي » بعد قليل ومعه خادم يوسف باشا فأعلمني أنّ سيّده يود تائقا أن يحصل له السرور التام بمحادثتي ، فاستأذنت ريس أفندي وذهبت في الحال إلى مقام الوزير الأوّل فألقيته جالسا في بهو رائع ، يدخل فيه النّور من شبابيك ذات جامات زجاج ، وفيه أثاث نفيس فاخر من أرائك وبسط جليلة ، وكان يحف به أكثر من خمسين خادما أو مملوكا ، وتلقاني يوسف باشا بكثير من الأدب ، وتحادثنا حديثا وافيا كافيا في الطول باللغة الفارسية ، وإذ كانت لحية سيادته طويلة جدا وكانت لحيتي حديثة العهد جدا بالمقصين وجد في ذلك فرصة لأن يداعبني ، وحملني على أن أكابد بعد ذلك اليوم تقريب الحلاق المقصين منها . وبعد استئذاني منه في الانصراف تلقيت رسالة من أحمد أفندي المدعو عموما « كيجابك » وهو وزير الداخلية ، يرجو فيها أن أزوره ،
هامش
( 1 ) في الأصل « ذهبت إلى سعادته » وقد مللنا من هذه التفخيمات . ( م ) .
( 2 ) ذكره في الصفحة 310 من الترجمة الفرنسية بصورة « الهوكاس » ولم نهتد إلى معناه كما ذكرنا هناك . ( المترجم ) .