تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسالك والممالك — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
الدهر لم يأت قطّ على قوم بيوم يحبّونه إلّا أتى عليهم بيوم يكرهونه ، وأنّ على أبواب السلطان كأشباه الحذر من الفتن وأنّ أحدا لم يصب منهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثيله . قال : فقلت : فكيف صبرك ؟ قال : فأقبلت عليّ بوجهها ثمّ قالت : يا سبحان اللّه تسألني عن الصبر ؟ ما ميّز أحد بين الصبر والجزع إلّا أصاب بينهما التقارب « 1 » في حالتيهما . أمّا الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة ، وأمّا الجزع فغير معوّض عوضا مع مأثمه « 2 » ، ولو كان رجلان « 3 » في صورتهما لكان الصبر أولاهما بالغلبة في حسن صورته ، وكرم طبيعته في عاجلة من الدنيا وآجلة من الثواب ، وكفى ما وعدنا اللّه أن ألهمناه . قال : قلت : إنّا لم نزل نسمع أنّ الجزع للنساء فلا [ يجز عن ] رجل بعدك في مصيبة ، فقد كرم صبرك . فقالت : أما سمعت الشّاعر وهو يقول [ كامل ] :
واصبر على القدر المجلوب وارض به * وإن أتاك بما لا تشتهي القدر فما صفا لامرئ عيش يسرّ به * إلّا سيتبع يوما صفوه الكدر
609 ولم يزل عمران الحيرة يتناقص مذ بنيت الكوفة إلى أيّام المعتضد بالله ، فإنّه استولى الخراب عليها ، وكانت فيها ديارات كثيرة ورهبان لحقوا بغيرها من البلاد لاستيلاء الخراب عليها ، وأقفرت من الأنيس في هذا الوقت إلّا الصدى والبوم ، وأهل الدراية بما يحدث يزعمون ( أنّ سعدها سيعود بالعمران ) « 4 » . وقد كان جماعة من خلفاء بني العبّاس ينزلونها لطيب هوائها وصفاء جوّها وقرب الخورنق والنّجف منها . وكانت مدّة هذه الحيرة من أوّل وقت عمارتها إلى وقت خرابها [ عند بناء ] « 5 » الكوفة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة .
هامش
( 1 ) ل ن : التفاوت - ( 2 ) ن : إثمه - ( 3 ) ل ن : كانا رجلين . ( 4 ) عن المسعودي ، ل ن : أن سيعود العمران - ( 5 ) عن المسعودي 1073 .