607 وقد كانت حرقة بنت النعمان إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج . فلمّا هلك النعمان نكبها الزمان ، وقدم سعد بن أبي وقّاص رضه القادسية أميرا عليها ، وقد هزم الفرس وقتل رستم ، فأتته حرقة بنت النعمان في إماء من نسائها وعليهنّ المسوح والمقطّعات السود مترهّبات يطلبن صلته . فلمّا وقفن بين يديه قال : أيّتكنّ حرقة ؟ قالت : ها أنا ذه . قال : أنت حرقة ؟ قالت : نعم فما تكرارك « 1 » في استفهامي ؟ إنّ الدنيا دار دول وزوال ولا تدوم على حال ولا تبقي على أحد ، تنتقل بأهلها انتقالا وتعقبهم بعد حال حالا ، كنّا ملوك هذا المصر يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله . فلمّا أدبر الأمر صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا وشتت ملأنا ، وكذلك الدهر يا سعد ليس من قوم كانوا في حبرة إلّا والدهر يعقبهم عبرة . ثمّ أنشأت تقول [ طويل ] :
فبينا نسوس النّاس « 2 » والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف
فأكرمها سعد وأحسن جائزتها ، فلمّا أرادت فراقه قالت : لا نزع اللّه من عبد صالح نعمة إلّا جعلك سبب ردّها إليه .
608 وروي أنّ إسحاق بن طلحة بن عبيد اللّه دخل على حرقة بنت النعمان بن المنذر بالحيرة في بيعتها وهي في نسوة راهبات قال : فما رأيت مثل وجوههنّ نسوة ، فقال لها : كيف رأيت غمرات الملك يا حرقة ؟ قالت : هذا خير ممّا كنّا فيه ، إنّا نجد في الكتب أنّه ليس من بيت يمتلأ حبرة إلّا امتلأ عبرة ، وأنّ
هامش
( 1 ) ن : تذكارك -
( 2 ) ل ن : الأمر .