شمام « 1 » ، بعزمة لا يفرى فريها ، وهمة لا يقصر عبقريها ، هو الأحول الحوّل ، المنوّه والمنوّل ، وهو واحد القوم ولا لوم ، لم يكن في القوم أحوط منه حزما ، ولا أحوج إلى أن لا يجد عزما ، بما طاوعته المقادير وتابعته ، لا يلوي بالمعاذير ، ومنه البقية الأموية الداخلة إلى الأندلس أيام السفاح الداخرة ، لخوفها في قصوره تحت العمد والصفاح ، حتى هبّت ريحها ، وذهبت فيحها ، وإنما كانت بقية من سعادته ردت على الأعقاب ، وردت ملابس الملك الجدد للأعقاب ، حتى توقد جمرهم الخامد .
وكان هشام فحل بني مروان ، عزمة لا يفت في عضدها ، وهمة لا يفوت حصول مقصدها ، ولقد كان المنصور على اتساع علمه ، وإجماع الناس على حزمه ، يعظم شأن هشام إذا ذكره ، وإذا ذكر في مجلسه شكره ، ولا يكشف العوائد إلا من دواوينه ، وثوقا بضبطه ، ووقوفا في أمور الملك على شرطه ، وجمع هشام من الأموال ما طاول جدر الخزائن اعتلاء ، وأخرج صدور البيوت امتلاء ، وأحوج الشمس أن لا يظهرها اجتلاء ، إلا أنه كان مفرطا في البخل ، لو تخيّل أن له شبيها في ضنانته بخل ، كانت يده مغلولة ، ومدده كلها لا يرى له فيها صرّة محلولة ، ما عرفت أنامله يوما بسطا ، ولا نائله مكانا إليه يتخطى ، إلا أن رأيه
هامش
- من أهل الكوفة ، فوجه إليه من قتله وفل جمعه ، ونشبت في أيامه حروب هائلة مع خاقان الترك في ما وراء النهر ، انتهت بمقتل خاقان واستيلاء العرب على بعض بلاده ، كان هشام حريصا ، اجتمع في خزانته ما لم يجتمع في خزانة أحد من خلفاء بني أمية ، بنى الرصافة على أربعة فراسخ من الرقة غربا ، وهي غير رصافة بغداد والبصرة ، وكان يسكنها في الصيف ، وتوفي فيها ، كان حسن السياسة يقظا في أمره ، يباشر الأعمال بنفسه ، كان سمينا أحول حليما ذا حزم ورأي ، توفي سنة 125 ه .
( الطبري 8 / 283 ، ابن الأثير 5 / 96 ، تاريخ الخميس 2 / 318 ، 320 ، المسعودي 2 / 142 - 145 ، اليعقوبي 3 / 57 )
( 1 ) يذبل وشمام : جبلان مشهوران بنجد في طريقها ، وهما لباهلة . ( ياقوت : يذبل ، شمام )