تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
ينشدك فيه ، فقال : يا غلام ، ادخل جريرا ، فأدخل عليه ، وعون جالس ، فأنشد جرير : « 1 » [ البسيط ]
أأذكر الجهد والبلوى التي شملت * أم أكتفي بالذي أبليت من خبري
كم بالمواسم من شعثاء أرملة * ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممّن ترجّى له من بعد والده * كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته ، وأمر بصدقات تفرق على الفقراء [ ص 283 ] ، فقال جرير :
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
فقال له : يا جرير ، أأنت من المهاجرين الأولين ؟ قال : لا ، قال : أفمن أولاد الأنصار ؟ قال : لا ، قال : أفمن أولاد التابعين بإحسان ؟ قال : لا ، قال : أفمن فقراء المسلمين فنجزيك على ما نجزي عليه الفقراء ؟ قال : قدري فوق ذلك ، فقال : يا جرير ، ما أرى لك بين الدفتين حقا ، فولى جرير ، فقال عون : يا أمير المؤمنين ، إن الخلفاء كانت تعوّد الإحسان ، وإن مثل لسانه يتّقى ، فقال عمر : ردّه ، فردّ ، فقال : يا جرير ، إن عندي من مالي عشرين دينارا ، وأربعة أثواب ، فأقاسمك ذلك ؟ فقال : بل نوفر يا أمير المؤمنين ونحمد ، فلما خرج تلقاه الناس فقالوا : ما وراءك ، قال : خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ، ويمنع الشعراء ، وإني له لحامد ، ولم يذكره بسوء ، ورثاه حين مات . وقال البلاذري : كتب عدي بن أرطاة إلى عمر يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج امتنعوا في أداء ما عليهم ، فكتب عليه : « أما بعد ، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر ، كأني جنّة لك من عذاب الله ، أو
هامش
( 1 ) الشعر في ديوان جرير من قصيدة ص 299 ط بيروت 1994 ، مع خلاف في الرواية .