تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
ويتسم لدلائل أجابته ، فمهد له في تقدمه ، ووطد أكناف السرير لقدمه ، ولما خاف ألا يتم له ما أراد ، ولا يلم فيه رأيه بالمراد ، بذل له جهد سيفه ودرهمه ، فكفّ جهل عذاله ولوّمه ، ولم يبق إلا ثلاثة قريش شرفا وسؤددا ، وسلفا يخرس لددا ، الحسين بن عليّ ، وعبد الله بن عمر [ ص 238 ] وعبد الله بن الزبير ، فجدّ في مداراتهم فما قدر ، وجهد على إرادتهم وما قسر ، فنصب مصايد حيله ، ومكايد طيله ، وأمر بأن يجمع الناس بالمدينة وفيهم أولئك الأماجد ، وأوقف على رؤوسهم رجالا بأيديهم السيوف جرايد ثم أمر بأخذ البيعة ليزيد ، وأخذ من خالف الأخذ الشديد ، وقال : من كلّم هؤلاء ، وأشار إلى الثلاثة ، واضرموا بحدوة السيف حنقه ، فلما اجتمع الناس قام فيهم مروان وقال : « 1 » أيها [ الناس ] إن هؤلاء رؤوسكم وسادتكم ، وقد أعطوا البيعة ، فقوموا فبايعوا ، فما منهم إلا من بايع ومن تابع ، إلا أولئك النفر ، إلا أنهم ما استطاعوا أن يتكلموا ، ولا استطالوا إلى أكثر من أن يتألموا ، ثم كان من خروج الحسين وابن الزبير ما كان ، هذا إلى العراق وهذا إلى مكة ، وما فينا فيما يزعزع ملكه ، إلا أن الحمام عاجل سيد الشهداء الحسين ، وأدلى له الحين ، وفزع ابن الزبير لمنابذته ، وقرع ظبة الحرب لمؤاخذته ، ثم لم يتمكن من قتاله ، ولم يتبين له وجه احتياله ، فأخرها إلى أوانها ، وادخرها إلى إبّانها ، ثم وثب إليها وثوب الفهد ، ودأب لها دؤوب الفرس النهد ، وأما ابن عمر ، فدخل فيما أجمع الناس عليه وبايع ، وجمع أطراف قومه وما نازع ، ثم كان من مصرع الحسين ما صرع الدموع ، وصدع الضلوع ، وكسر القلوب كسرا لا يجبر ، وأمات للإسلام ميتا لا يقبر ، فآها لها رزية فتّت العضد ، وفلّت السيف والغمد ، لقد أنضبت
هامش
( 1 ) راجع في أخذ البيعة ليزيد في الطبري وابن الأثير حوادث سنة ست وخمسين ، وكان مروان واليا على المدينة .