تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
ومما يؤثر عنه أنه قال لابنه يزيد : اتخذ المعروف عند ذوي الأحساب ، لتستميل به مودتهم ، وتعظم به في أعينهم ، ويكف به عنك عاديتهم ، وإياك والمنع فإنه مفسدة للمروءة ، وإزراء بالشرف . ونظر معاوية إلى الهجار العدوي في عباءة فازدراه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن العباءة لا تكلمك ، وإنما يكلمك من فيها . وقال يوما : أعنت على عليّ بكتمان سري ، وفشي أسراره ، وبطاعة أهل الشام لي ، ومعصية أصحابه له ، وبذلي المال ، وإمساكه إياه . وكان معاوية أكولا نهما ، وهو أول من نوّع في [ ص 236 ] هذه الأمة المطاعم . وحج معاوية ، فلما كان بالأبواء « 1 » ، خرج يستقري مياه كنانة ، حتى إذا صار إلى عجوز ، فقال لها : من أنت ، فقالت : من الذين يقول فيهم الشاعر : [ الطويل ]
هم منعوا جيش الأحابيش عنوة * وهم نهنهوا عنهم غزاة بني بكر
فقال لها معاوية : فإذن أنت دؤلية ، قالت : فإني دؤلية ، قال : أعندك قرى ؟ قالت : عندي خبز خمير ، وحيس « 2 » كثير ، ولبن حزير « 3 » ، وماء نمير ، فأناخ وجعل يأخذ الفلذة من الخبز فيملؤها من الحيس فيغمسه في اللبن ثم يأكل ، حتى إذا فرغ قال : حاجتك ؟ قالت : حوائج الحي ، فنودي فيهم فأتاه الأعراب فرفعوا حوائجهم فقضاها ، وامتنعت العجوز أن تأخذ شيئا لنفسها ،
هامش
( 1 ) الأبواء : قرية من أعمال الفرع من المدينة ، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا ، وقيل : الأبواء جبل علي يمين آرة ، ويمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة . ( ياقوت : الأبواء ) ( 2 ) الحيس : تمر وأقط وسمن ، تخلط وتعجن وتسوى كالثريد . ( 3 ) اللبن الحزير : الحامض .