تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
شفين وهيهات ، بينهما عرض الأرض ، ومر البر ، ونحر البحر ، وملوك العبيديين بمصر بين بحريهما حاجز ، وحائل بينهما لا يزيله عاجز ، وإنما كان يعلل نفسه بالمنى ، ويؤمل مدد النصر من هنا ومن هنا ، فلم تنقطع بينهما المكاتبات ، ولا حجبت أرواح الابتداآت والمجاوبات ، ولا يرغد عيشنا بعلالتها ، ويتملأ ريا ببلالتها ، وربما كتب إلى ملوك ما وراء النهر ، فعومل الرسول بالرد والنهر ، وقيل له : لو قمتم بأمور الدين ، وتركتم أباطيل السفه ، وأقاويل الشبه ، وأخذتم بما تبين لا بما اشتبه ، وبما تحتم من الحق أو الخير لما تسلطت عليكم حكام الجائرين ، ولا سطت بكم أيدي الحكام المجاورين ، لكنكم فعلتم وفعلتم ، وعلمتم وحهلتم ، وعدّد عليهم قبائح ما ارتكبوا وفضائح ما احتقبوا ، وكان المقتدي ممن يرتاح للندى ، ويلتاح نجم هدى ، وله هدي مأثور ، يفاوح أرج المنشور ، كأنه بالعنبر نسخ ، وبرشاش ماء الورد نفخ ، يؤثر الخير ولا يلتقي عليه مساعدا ، ويؤثر الجود ولا يخلف عليه مواعدا ، ويقارب حال السلف ولا يكون مباعدا ، ويقارن هام الغمام ولا يقدم راعدا ، وكان أبوه أبو العباس محمد الذخيرة قد مات ، كما ذكرنا في زمان أبيه القائم ، وتلقى من رضوان ربه تحية القادم ، فلم يكن للقائم دأب إلا تأديب المقتدي ، وقراءة سير الخلفاء الصالحين عليه ، كعمر بن عبد العزيز ، والمهتدي ، وإعلامه بأحوال الدول ، مسيئها ومحسنها ، وأمره بتصفحها ، والأخذ بأحسنها ، حتى كان لو تمكن ناذره ، وخاتمة لأول الغيث أو بادره ، وقد ذكر ابن الأثير « 1 » أنه مات فجأة ، قال : كان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركياروق ليعلم فيه ، فقرأه وتدبره وعلم [ بما ] فيه ، ثم قدم إليه طعام ، فأكل منه وغسل يديه ، وعنده قهرمانته شمس النهار ، فقال لها : ما لهؤلاء الأشخاص [ ص 173 ] الذين قد دخلوا عليّ بغير إذن ؟ قالت : فالتفت فلم أر شيئا ، ورأيته
هامش
( 1 ) الكامل 8 / 493 ط بيروت 1995 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 278 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام