تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وخلائف سلف كريم تتألم ، وكان المقتدر عقله عقل أمثاله من الصغار لا ينتخي لملكه ولا يغار ، مشغولا وراء حجبه ، مشغوفا بلعبه ، يتشبه في ملكه العقيم بالسوقة ، ويتخذ له من جوارية معشوقة ، ويقف تحت طاقتها يغمزها ، ويترقب لها غفلات رقباء ينتهزها ، وربما وقف اليوم الكامل وهي لا تجيبه ، ورأى جارية فاختفى كأنه وافى إليه رقيبه ، فمرة تصله ، ومرة تهجره ، وآونة تتعرف به ، وآونة تنكره ، وتارة تتعذر بزوجها ، وتارة يتستر بأوجها ، كل هذا شئ افتعله ، وظنه لذة له ففعله ، وكان ربما ركب حمارا وأردفها وراءه ، ومر بسوق عمله في قصره ، وأسكنه الجواري وأوطنه كواعب كالدراري ، وجعل عندهن أنواع الطعام ، ومنهن الخباز والطباخ واللحام [ ص 161 ] والخمار ، وعنده الخمارة والمدام ، فيقف على الحانوت ويشتري قدر ما يحتاجه من القوت ، وكذلك ما يريد من الخمر ، فإذا اكتفى حمل الكل في الخرج ومر ، ثم ينطلق إلى مكان اتخذه في القصر شبيها بالقرية ، ونزل به ، وقضى معها يومه كله في أكله وشربه ، ثم إما تجئ جارية على أنها عاشق لتلك الجارية الأخرى التي يتعشقها ، يريد ما أراده منها ، فيقوم يدرأ عنها ، فتارة غلب ، وتارة يغلب ، وتارة تجىء جارية على أنها صاحب الشرطة ، فيأخذهما ويذهب ، ثم يأمر بالمقتدر بأن يطاف به في شوارع بغداد ، فيطاف به في رحاب القصر ، وينادى عليه : هذا جزاء من يتظاهر بالمحرمات ، في مثل هذا العصر . وكان المقتدر منقطعا إلى أمثال هذا اللعب ، ما اجتهد في سواه ولا رغب ، ولهذا اختلت حاله مرات ، وخلع ثم عاد كرات ، لكنه مع هذا اللهو المفرط ، واللعب وهو ما بلغه منبسط ، ولا لحقه بعده منتهك ، ولا سبقه إليه قبله سوقة ولا ملك ، كان سعيدا محظوظا ، شديدا أدرك من المرام حظوظا ، وكان واسع النفقات ، شائع الصدقات ، ودانت له الآفاق شرقها وغربها ، وبعدها وقربها ، ولم يبق شئ مما كان في ملك الخلفاء الأول إلا مذعنا لأمره ، ممعنا للتأهب لنصره ، لا تحمي أطرافها إلا بعسكره ، ولا تشمخ أسرّة ملوكها إلا بالخضوع
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 261 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام