تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
كنت مع الرشيد بالرقة « 1 » ، وكنت أول من يدخل عليه فأتعرف خبره في ليلته ، ثم ينبسط فيحدثني بخبر جواريه ومجلسه وشربه ، ثم يسألني من أخبار العامة وأحوالها ، فدخلت عليه في غداة يوم ، فرأيته عابسا مفكرا مغموما ، فوقفت بين يديه مليا وهو على تلك الحال ، فلما طال ذلك أقدمت عليه فقلت : يا سيدي ، جعلني الله فداك ، ما حالك هكذا ، فأخبرني بها ، فلعله يكون عندي دواؤه ، فقال : ويحك يا جبريل ، ليس غمي وفكري لشئ مما ذكرت ، ولكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه فأفزعتني ، وملأت صدري ، وأقرحت قلبي ، فقلت : فرّجت عني يا أمير المؤمنين ، فدنوت فقبلت رجله وقلت : هذا الهمّ كله لرؤيا ، والرؤيا إنما تكون في خاطر أو من بخارات ردية من تهاويل السوداء ، وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله ، فقال : أنا أقصها عليك ، رأيت كأني جالس على سريري إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها ، وكف أعرفها ، لا أفهم اسم صاحبها ، وفي الكف تربة حمراء ، فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه : هذه التربة التي تدفن فيها ، فقلت : وأين هذه التربة ، فقال : بطوس وغابت اليد ، وانقطع الكلام ، فقلت « 2 » : يا سيدي أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان ، وما ورد عليك من انتقاضها ، قال : قد [ ص 131 ] كان ذلك ، قال فقلت : فلذلك رأيت هذه الرؤيا ، وما برحت أطيب نفسه بضروب من الحيل حتى سلا وانبسط ، وأمر بإعداد ما يشتهيه ذلك اليوم في لهوه ، ومرت الأيام ، فنسي ونسينا تلك الرؤيا ، فما خطرت لأحد منا ببال ، ثم قدر مسيره إلى خراسان حين تحرك رافع ، فخرج فلما صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة ، فلم تزل تزيد
هامش
- عدة وتوفي بالمدائن سنة 213 ه . ( 1 ) الرقة : مدينة مشهورة على الفرات ، بينها وبين حرّان ثلاثة أيام ، معدودة من بلاد الجزيرة ، لأنها من جانب الفرات الشرقي . ( ياقوت : الرقة ) ( 2 ) في الأصل : فقال .