نوكى « 1 » القوم ، وأولى أهل بيته باللوم ، لا يقيل رأيه من عثراته ، ولا يجمّ جفنه لمقيل عبراته ، فانهمك في اللذات ، وانتهك حرمة الملك واللدات ، وحفر لأخيه المأمون قليبا « 2 » وقع فيها قريبا ، وكان ذا أيد وقوة ، حكي أنه وثب على أسد فصرعه وقرب مصرعه ، ولكنه لم يؤيد بحزم يحوط به تدبيره ، ويحول بينه وبين ما قضى تدميره ، ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه ، ومن قصد أخاه بسوء دمر الله عليه ودمغه ، وكان كريما يهب البدر بالمئين ، ولا يسمح أن يمد إلى مائدته يمين ، وكان يبخل بالطعام ، وينحل في الشح أخلاق الطغام ، وكان عنده رغيف الخبز كرغيف الأسد ، لا يطاق مهاجمته ، ولا يستطاع أن يقتحم أجمته .
وقال علي بن إسحاق : لما أفضت الخلافة إلى الأمين وهدأ الناس ، أصبح صبيحة السبت بعد بيعته بيوم ، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب ، وأمر جواريه بأن تهدي إليه غزلان تسيّب فيه ، فأهديت له ، فقال شاعر من أهل بغداد :
[ السريع ]
بنى أمين الله ميدانا * وصيّر الساحة بستانا
هامش
- ذلك على اسمها ، وإليها تنسب ( عين زبيدة ) في مكة ، جلبت إليها الماء من أقصى وادي نعمان شرقي مكة ، وأقامت له الأقنية حتى أبلغته مكة ، تزوج بها الرشيد سنة 165 ه ، ولما توفي الرشيد ثم قتل ابنها الأمين اضطهدها رجال المأمون فكتبت إليه تشكو حالها ، فعطف عليها ، وجعل لها قصرا في دار الخلافة ، وأقام لها الوصائف والخدم ، وكانت لها ثروة واسعة ، وخلفت آثارا نافعة ، عملت مصانع وبرك ومنازل وآبار من بغداد إلى مكة ، توفيت ببغداد سنة 216 ه
( تاريخ بغداد 14 / 433 ، النجوم الزاهرة 2 / 213 ، ابن خلكان 1 / 189 ، الدر المنثور ص 215 ، أعلام النساء 1 / 430 )
( 1 ) النوكى : الحمقى .
( 2 ) القليب : البئر .