تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
عرف بابن غانم . أي لا يصبر على ضيم ، ولا يتغافل لمساورة أيم ، بل أي بلد نبت به أرضها ، ونبت له ممضّها ، طلّقها طلاق البتات ، وقوّض عنها ( 219 ) خيامه قبل البيات . جوّال آفاق ، وجوّاب مهامه بلا رفاق . طار بغير جناح ، واخترق حيث تهب الرياح . وقد تقدم ذكر أخيه في الكتّاب في هذا الكتاب . وكان أبوهما ممن أحبّ له داعي الفلاح ، وأجيل قلمه في سهام القداح ، ثم غضب ابنه هذا عليه غضبة حملته على الاغتراب ، وحلّقت به حيث لا يحلق الغراب . هذا وبدره ما اكتمل ، وجلباب الورق على غصنه ما اشتمل . فأتى العراق في رفقة ، سلكوا به السماوة ، لا يصحبه إلا أبيض مسلول ، ولا يؤنسه إلا أرقط زهلول ، ولا يظلله إلا سمرة في يهماء ، ولا برد إلا أداوة يترشف منها الماء . ونزل بها على خفاجة مخفيا لنفسه ، مظهرا له أدب درسه ، فلما تسمّى لهم واكتنى ، وكتم من أمره معلنا - وكان العهد إذ ذاك قريبا بأخذ بغداد ، وشتات شذاذ الخلافة في أقطار البلاد - ظنوه ابنا للمستعصم ، كان قد فقد على الجسر ، بعد اقتحام التتار شوارعها الفساح ، والتهام أفواه قسيهم الفاغرة مضغ الأرواح ، وأبناء الخلائق لديهم نهب صيح في حجراته ، وهضب ذيد عن سمراته . ولقد حكى لي أن هذا صار فيه عقد دينهم ، وعقل يقينهم ، فقدموه عليهم إماما ، وسلموه لهم زماما ، وإنه لم يفسدهم بكشف باطنه ، وإخراج خبيئة من مواطنه . وأتى الملك الظاهر هذا البناء ، فخاف منه فتقا لا يرقعه ، وخرقا لا يجمعه ، فكتب إلى ملك العرب عيسى بن مهنا يطلب منه إحضاره ، ويوكل به انتظاره ، فاستدرجه إليه ، ثم بعث به حتى أقدمه عليه ، فلما حضر بين يديه ، تعرّف إليه بأبيه ، وشهد له بعض من حضر ، فسلّم وقد أهوى إليه الحجر ، وأمر باستدعاء أبيه من دمشق ، فلما وصل سلّم إليه ، وسلّ من قنصة الموت وألقى