فكأنّما كتب العذار بخطّه * سطرا بحبّات القلوب ونقّطا
فأجزل له الصّلة ، وإن لم تكن عوائده منفصلة .
وحكي أنه طلبه في أخريات عصر غربت شمسه ، وكاد يتساوى يومه وأمسه . وبثّ الرّسل في طلبه من كلّ صوب ، وتوقّع أوبته من كل أوب ، إلى أن توقّد في فحم الدّجى جمر الشّفق ، وأهزلوا الجوزاء وخفق . فلم يوجد في ناحية ، ولا رئي في عشيّة ولا ضاحية . فلما انشقّ جيب الظلام ، واشتعل في المشرق وثيب الضّرام ، ألفي في بستان ، نائي المكان ، نائي السّكان . قد خلا فيه بنفسه منفردا ، وبقي فيه فردا مثل السيف مجرّدا . فأخبر بحاله ، وأحضر إليه على حاله ، فأمر أن يسقى مداما ، ثم أوسعه ملاما ، فقال : [ الكامل ]
من كان يرغب في حياة فؤاده * وصفائه فلينأ عن هذا الورى
فالماء يصفو ما نأى فإذا دنا * منهم تغيّر لونه وتكدّرا
وحكي أنه خرج والرّبيع قد غشيت أنديته ، وقتيل المحل قد أديت ديته ، حتى خيّم بروضة أطال إليها الخبب والإيضاع ، وأودعت النّسيم طيبها فضاع ، وبها دولاب تذر مآقيه ، ويسرّ مدير كأسه وساقيه ، قال فيها : « 1 » [ الطويل ]
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها * فنادت عليه في الرّياض طيور
ودولابها كادت تعدّ ضلوعه * لكثرة ما يبكي بها ويدور
فبينا هو على تلك الوسائد ، وفي خدمه من قائم الشجر تلك الولائد . فلما أمست مسكة الليل من بأرضه ، وصاغ النجم له خاتما من فضة ، أخذته ( 139 ) إغفاءة كإغفاءة المناصل ، أو أخذ المدام بأطراف المفاصل . فرأى فيما يراه النائم
هامش
( 1 ) : الفوات 4 : 59 .