تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وتخلع عليه النفوس والبرود . أشغل قلب الشّجيّ والخليّ : فهذا غنّى وهذا ناح . وأسمع أذن السّالي والمغرم : فهذا كتم وهذا باح . وكان لا يخلو منه سماع ، ولا عقد اجتماع . تتهاداه مجالس الكبراء سرورا للنفوس ، وتتعاطاه سلافا في الكؤوس ، وتميل به لإمالة الطّرب الرؤوس . وجرت بينه وبين الخيميّ في القصيدة البائية المحاكمة التي قضى فيها ابن الفارض عليه قضاء لم يقدر حاكم على نقضه ، ولا أعانه صاحب على تجرّع ممضّه . ثم كان بعده لا يزال منقّبا بالحياء ، مذبذبا يمشي على استحياء ، لما ألق به من وصمة عار الادّعاء ، وسمة قبح لا يطلب منه بعدها رفع يد بصالح الدّعاء . وكان مع كثرة حضوره حيث تصفّق الألحان ، وتصفّق أواني المدام ، بنت خضرة القدس لا بنت الجان ، لا يدخل طابق الرّقص ، ولا يزداد وحده إلّا بمقدار ما يأخذ في ( 102 ) النقص . وحكى قاضي مجد الدين بن العديم ، قال : أريت في النوم كأني داخل إلى بلده ، فقيل لي : إن نجم الدين بن إسرائيل ، قد صار كاتبا عند الوالي بها ، فقلت : [ الوافر ]
إلى كم ذا تغرّرك الليالي * وتبدي منك حالا بعد حال
فطورا شيخ زاوية وفقر * وطورا كاتب في دار والي
وذكرت هذا المقام للطف موقعه ، وطرف نظمه في موضعه . ومن فائق شعره ، وفائح نشره ، قوله : [ الكامل ]
يا واحد الحسن الذي لولا الجفا * ما عاقه عني العشيّة عائق
أنت الأمير على الملاح بأسرهم * وعليك من قلبي لواء خافق
ومنه قوله : [ الكامل ]
أعلمت ما أبكى الجفون وأسهرا * برق أعار الأفق مرطا أحمرا