ويستشفى بنفس كرمه جدب السنة الجماد ، وهو ممّن قال فيه العماد الكاتب : شعره متين الحوك ، محكم النسج ، حسن الصّوغ ، سليم النهج ، منتقى اللفظ ، منتخب المعنى ، مهذّب المبنى ، معسول الكلم ، مقبول الحكم ، ولقد كان عزيز النفس أبّيها ، عزيز الفضيلة سنّيها وقّاد القريحة لو ذعيّها ، نقّاد البصيرة ألمعيّها ، وإنّه ولي في آخر عمره إشراف مملكة السلطان محمد بن ملكشاه « 1 » فسقوه السمّ وهو واقف عند سرير السلطان فخانته رجلاه فسقط وحمل إلى منزله فقال « 2 » : [ الطويل ]
وقفنا بحيث العدل مدّ رواقه * وخيّم في أرجائه الجود والباس
وفوق السرير ابن الملوك محمّد * تخرّ له من فرط هيبته الناس
فخامرني ما خانني قدمي له * وإن ردّ عني نفرة الجأش إيناس
وذاك مقام لا نوّ فيه حقّه * إذا لم ينب فيه عن القدم الرأس
لئن عثرت رجلي فليس لمقولي * عثار وكم زلّت أفاضل أكياس « 3 »
وتوفي يوم الخميس العشرين من ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة بأصفهان « 4 » ، ثمّ قال : وكان - رحمه الله - عفيف الذيل غير طفيف الكيل ، صائم النهار قائم الليل ، متبحّرا في الأدب ، خبيرا بعلم النّسب . انتهى كلام العماد .
هامش
( 1 ) محمد بن ملكشاه من سلاطين السلاجقة الذين دخلوا بغداد سنة 447 للهجرة ، وقاسموا الخليفة الحكم والنفوذ ، كان يتشبّه بجدّه محمد ألب أرسلان ويرتفع عن الانحطاط إلى الانشغال بالملذات ، وابتلى بمرض عضال حتى توفي سنة 511 للهجرة وله سبع وثلاثون سنة . ينظر تفصيل واف عنه في مقدمة تحقيق ديوان حيص بيص ، 1 / 14 ، وما بعدها ، مع مصادرها .
( 2 ) يقول محقّق الديوان : " مات الأبيوردي مسموما بأصفهان سنة 507 ه بإجماع المراجع المراجع كلها " . ينظر ، 1 / 20 .
( 3 ) ديوانه ، 2 / 149 .
( 4 ) تنظر مقدمة الديوان ، 1 / 20 ، وما بعدها عن الاختلاف في سنة وفاته .