تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
وهذا ترقّيا ، فكم خلّص واحدا من عاب ، وأحلّ آخر علياء الشّعاب ، وكسى آخر فخرا لا يبلى جديده ولا يقصر مديده ، وترك آخر نجابه عرضه منجى الذباب ، وخيف ضرره خيفة الوزغ لا الحباب . وكان ذا ذهن حدّ لا يصدأ صقيله ، ولا يهدأ في المباحث صليله ، ولا يعرف شرار النار إلّا أن يكون هو أو سليله ، ولا طريق إلى الاختراع إلّا في شعره وما هو سبيله ، ولا رحيق المراشف إلّا ما أداره لمى غزاله أو سلسبيله ببدائع ما الروض غاداه السّحاب ، وهداه السخاب ، ومرّ به النسيم مثل الجلباب معتل الهبوب في طفل الشباب ، قد أخذت الأرض زينتها وجبلت بكافور القطر الذائب في عنبر الأرض طينتها حتى تسلسل ماؤها وهو مطلق وأطلق فيها النظر وهو موثق ، وتجاوبت قيان ورقها الصّوادح ، وتطايرت شرارات جلّنارها في كفّ كلّ قادح ، وبرزت شقائقها مجامر ، وبدت مخاضات أقاحها معابر ، وتوردّ وردها بالخجل حياء من مقل النرجس ، وطال لسان سوسانها عتابا على المنثور حيث أجلس ، وتنمّر البنفسج في ورقه وازرقّ من حنقه ، وبان على البان في قضبه ، وعلى باقي الزّهر ما فرّ به إلى رؤوس كتبه ، إلى غير هذا من محاسن جمعت ، وميامن أودعت بأبدع من تلك البدائع ، ولا بأبدع من ذلك الفضل الرائع . وسنورد من بديعه ما يشقّ كتمانه على لسان مذيعه ، منه قوله : [ الطويل ]
وذي زجل والى سهام رهامه * وولّى فألقى قوسه في انهزامه « 1 »
419 / ألم تر خدّ الورد مدمى لوقعها * وأنصلها مخضوبة في كمامه
وقوله : [ المنسرح ]
ومطرب صوته وفوه * قد جمعا الطيّبات طرّا « 2 »
هامش
( 1 ) أخلّ بهما الديوان . ( 2 ) أخلّ بهما الديوان .