تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
وداموا وعنّفوا من انتصر له ولاموا ، وقعدوا في أمره وقاموا ، فلم يرعوا له حرمه ولا أكرموا علمه ولا راقبوا فيه إلّا ولا ذمّه ، حتى حكوا كفره بالأسانيد وشدّدوا في ذلك غاية التشديد وكفّره من جاء بعدهم بالتقليد فابتدرت دونه مناضلا وانتصبت عنه مجادلا وانتدبت لمحاسنه ناقلا . وذكرت في هذا الكتاب مولده ونسبه وتحصيله للعلم وطلبه ودينه الصحيح ومذهبه ، وورعه الشديد وزهده واجتهاده القويّ وجدّه وطعن القادح عليه وردّه ودفع الظلم عنه وصدّه . انتهى كلام الصاحب كمال الدين ابن العديم في صدر تأليفه ، ثمّ أخذ يقصّ أخباره ، ويستقصي آثاره ، وأنا ذاكر ما حكاه نكتا أختصرها ، واقتصر مما أورده على لطائف ألخّصها بعبارة تحصرها . أمّا بلده فمعّرة النعمان بها ولد ، والصحيح أنّها تنسب إلى النعمان بن بشير الأنصاري ، وكان واليا على حمص وقنسرين في ولاية معاوية ، وابنه يزيد . ومات للنعمان بها ولد ، وجدّد عمارتها فنسبت إليه . وكانت تسمّى ذات القصور . وأمّا نسبه فمن تنوخ ، وأمّا بيته فسادة لهم / 318 / في الفضل رسوخ غير منسوخ منهم قضاة الأمة والفضلاء الأئمة ، والعلماء أصحاب العلوم الجمّة ، والأدباء المنطقون بالحكمة ، والشعراء الذين اغتصبوا البحر درّه ، والفلك نجمه والخطباء أهل الورع والأثبات الذين أحبّوا السّنة ، وأماتوا البدع ممّن لا يتسّع التأليف لإحصائهم ، وحصر أسمائهم ، وإنّما نحن بصدد ذكر أبي العلاء على التخصيص ، والإشادة من مجده بما يكاد أن يلحق بشواهد التنصيص . قرأ القرآن العظيم بالروايات على جماعة من الشيوخ ، وتوسّع في اللغة والنحو ، ورحل إلى بغداد في طلب العلم ، وروى الحديث وخرّج من حديثه سبعة أجزاء رويت عنه ، وفي بعض رسائله يقول : وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب ، ولا أتكثّر بلقاء الرجال ، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم فشاهدت أنفس ما كان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه . وأخذ عنه خلق لا يعلمهم إلّا الله كلّهم قضاة ، وأئمة ، وخطباء ، وأهل تبحّر وديانات ، واستفادوا منه ،