تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
وحكى عنه تلميذه أبو زكريا التبريزي أنّه كان قاعدا في مسجده بمعّرة النعمان يقرأ عليه شيئا من تصانيفه قال : وكنت قد أتممت عنده سنتين ولم أر أحدا من بلدي ، فدخل مغافصة « 1 » المسجد بعض جيراننا للصلاة ، فرأيته وعرفته ، وتغيّرت من الفرح فقال لي أبو العلاء : ما أصابك ؟ فحكيت له أنّي رأيت جارا بعد أن لم ألق أحدا من بلدي منذ سنتين فقال لي : قم وكلّمه ، فقلت : حتى أتّمم السّبق « 2 » . فقال : قم ، أنا أنتظرك ، فقمت وكلّمته بالأذربيجية شيئا كثيرا ، إلى أن سألت عمّا أردت ، فلمّا فرغت ، / 320 / وقعدت بين يديه قال لي : أيّ لسان هذا ؟ قلت لسان أهل أذربيجان ، فقال : ما عرفت اللسان ولا فهمته ، غير أنّي حفظت ما قلتما ، ثم أعاد لفظنا بلفظ ما قلنا . فجعل جاري يتعجب غاية التعجّب ، ويقول : كيف حفظ شيئا لم يفهمه ! وقال هبة الله بن موسى : كنت أسمع من أخبار أبي العلاء ، وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجّبي منه ، فلمّا وصلت المعرة قاصدا الديار المصرية لم أقدّم شيئا على لقائه ، فحضرت إليه ومعي أخي ، وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر ، فلم أسمح بمفارقته والاشتغال بها ، فتحدّث معي أخي حديثا باللسان الفارسيّ ، فأرشدته إلى ما يعمله فيها ، ثمّ غدوت إلى مذاكرة أبي العلاء ، فتجاذبنا الحديث ، إلى أن ذكرت ما وصف به من سرعة الحفظ وسألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه ، فقال : خذ كتابا من هذه الخزانة القريبة منك فاذكر أوّله ، فإنّي أورده عليك حفظا ، فقلت كتابك ليس بغريب إن حفظته ، قال : قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسيّة ، إن شئت أعدته عليك ، قلت : أعده . فأعاده وما أخلّ والله منه بحرف ، ولم يكن يعرف اللّغة الفارسيّة . وكان لأبي العلاء جار أعجميّ بمعرّة النعمان ، فغاب في بعض حوائجه ، فحضر رجل غريب أعجميّ مجتاز ، قد قدم من بلاد العجم ، فطلبه ، ولم يمكنه المقام ، وهو لا يعرف اللّسان العربيّ . فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه . فجعل يتكلّم بالفارسيّة وأبو
هامش
( 1 ) مغافصة : مفاجأة . ( 2 ) السّبق : يراد به الدرس .