تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
ومال في هذا إلى رأي الحكماء وقال بمذهب البراهمة في تجنّب إراقة الدماء . وكان قد طلع عليه وهو في الرابعة من عمره جدري وذهب ببصره ، وأفقده نور نظره ، فلمّا كبر سمّى نفسه [ رهين المحبسين ] يعني بهما الدنيا والعمى . وكان أبو العلاء من بيت أطلع جماعة من الفضلاء « 1 » ، وأقطع بنيه العلاء بأبي العلاء . وكان مطلعا على العلوم لا يخلو في علم من الأخذ بطرف ، متبحّرا في اللغة ، متّسع النطاق في العربية ، جامع الشعوب للطرق الأدبية . ندرة في العلم ، وشذرة في بني آدم . ما ولدت مثله الليالي ولا أوجدت شبيهه المعالي . وله من الكتب المصنّفة والدواوين المدّونة ما اشتهر ذكره وظهر من ذلك البحر درّه « 2 » . وهو عدد لا تعقد جمله ولا يحصى ما أحرزه عمله . عقمت القرائح بأمثالها ، وعدمت الجوارح أن تضمّ على مثالها من كلم غريبة المعاني أنفس من العقود ، وحكم قريبة الوصول تشقّ القلوب قبل الجلود ، وله من بدائع النظم والنثر قمراها ومن روائع العلم والعمل سمراها ومن يانع ما تجني المسامع والأبصار ثمراها ، هذا على انقطاع حتى / 315 / عن نفسه وامتناع حتى عن أنسه ونفار حتى من ظلّه ، وحذار حتى ممّا يجالسه من فضله مع ما مني به من فقد حاسّة بصره ، ورمي به من عدم حامّة معشره وخلّوه ممّن يماثله في بلده ويراسله فيما يأخذ في جدده واطّراحه للمذاكرة وانتزاحه عن المحاضرة ، واشتغاله أكثر الأوقات بالفكر في معاده والذّكر لما يحتاج أن يستصحبه من زاده . والتأهب للسفر والتوثب مستوقرا ليكون في أول النّفر إلّا أنّه كان مع هذا مذهبه أن لا يفارق إلّا ونفسه كاملة بالمعارف عاملة على أن لا يفوتها شيء من العوارف ، لترقى روحه إلى عالمها وتتلقى بروح القبول في معالمها ، ولا تخرج إلّا وهي بالعلوم مرتسمة وللقلوب مبتسمة ، فهذا الذي كان يثير عزمه الساكن وعلمه إلى أشرف الأماكن . وكان ممّن أوتي ذكاء تتوقّد زجاجته
هامش
( 1 ) ينظر الإنصاف والتحري ، لابن العديم ، ص 490 ، وما بعدها ففيه تفصيل عن بيت المعري ومن أخرج من العلماء والشعراء والأفاضل . ( 2 ) أحصت له كتب الأدب والتراجم ما يزيد على ستين مصنّفا ما بين رسالة وكتاب وديوان شعر . ينظر الإنصاف والتحري ، ص 527 ، وما بعدها .