تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
العلاء يصغي إليه ، إلى أن فرغ من كلامه وهو لا يفهم ما يقول ، ومضى الرجل ، وقدم جار أبي العلاء العجميّ الغائب ، وحضر عند أبي العلاء ، فذكر له حال الرّجل وطلبه له ، وجعل يعيد عليه ما قال بالفارسيّة ، والرجل يستغيث ويلطم على رأسه ، إلى أن فرغ أبو العلاء . وسئل عن حاله ، فأخبرهم أنه أخبر بموت أبيه وإخوته وجماعة / 321 / من أهله . أو كما قال . ومن ذكائه وحفظه ، أنّ جارا له سمّانا كان بينه وبين رجل من أهل المرّة معاملة ، فجاءه ذلك الرّجل ، ودفع إليه السّمّان رقاعا كتبها إليه يستدعي فيها حوائج له . وكان أبو العلاء في غرفة مشرفة عليهما ، فسمع أبو العلاء محاسبة السّمّان له ، وأعاد الرّجل الرّقاع إلى السّمّان . ومضى على ذلك أيام ، فسمع أبو العلاء ذلك السّمّان وهو يتأوّه ويتململ ، فسأله عن حاله ، فقال : كنت حاسبت فلانا برقاع كانت له عندي ، وقد عدمتها ، ولا يحضرني حسابه . فقال : لا عليك ، تعال إليّ ، فأنا أحفظ حسابكما . وجعل يملي عليه معاملته جميعها وهو يكتبها ، إلى أن فرغ وقام . فلم يمض إلا أيام يسيرة ، فوجد السّمّان الرقاع وقد جذبتها الفأر إلى زاوية في الحانوت ، فقابل بها ما أملاه أبو العلاء ، فلم يخط في حرف واحد . ولمّا دخل إلى بغداد أرادوا امتحانه ، فأحضروا دستور الخراج الذي في الديوان ، وجعلوا يوردون ذلك عليه مياومة وهو يسمع ، إلى أن فرغوا . فابتدأ أبو العلاء ، وسرد عليهم كلّ ما أوردوه عليه . وسمع أهل حلب بذكائه وهو صغير ، فسافر جماعة من أكابرهم إلى معرّة النعمان لمشاهدته ، وسألوا عنه ، فقيل لهم : هو يلعب مع الصبيان ، فجاءوا إليه وسلّموا عليه ، فردّ عليهم السلام ، فقيل له : هؤلاء جماعة من أكابر حلب أتوا لينظروك ويمتحنوك ، فقال لهم : هل لكم في المقافاة « 1 » بالشّعر ؟ فقالوا : نعم . فجعل كلّ واحد منهم
هامش
( 1 ) المقافاة : يراد بها مطارحة الشعر على قافية واحدة .