تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
فأكرمه ، وشفع له فأعيد إلى عمله وتسلّمه . وكان ناسك نهار ، وفاتك ليل ، يزرّر جيوبه شموس العقار ، وكان هو وابن قريعة ، وابن معروف ، والقاضي [ الا يذجي ] « 1 » من ندماء الوزير المهلبي يغضّون النهار وقارا ، والليل عقارا ، ويأخذون بنصيب من كلّ ، وحظّ إثمه ألزم لأعناقهم من غلّ . وحكي أنّهم كانوا يحضرون مجلسه لسماع الطّرب حتى إذا استفزّهم فزّة الثّمل بالراح ، وهزّهم هزّة الغصن بالرياح أقبلوا على الشراب بجملتهم ، وقابلوا راياته المنشورة بحملتهم ، وكانوا كلّهم شيوخا لم يبق من سواد لمّمهم إلّا ما سوّد الصحائف ، ولا من هممهم إلّا التهتّك في وردة خدّ وريحانة سالف ، وكانوا إذا حميت بالخمر رؤوسهم ، وحجبت بالخمر من العقل ما يسوسهم قدّم لكلّ واحد منهم طاس ذهب من ألف دينار يقدح بمدامه نارا بنار فيغمسون فيه لحاهم ويدعونها حتى تتشرّب المدام ، ويطير في قزع رؤوسهم سحابها الجهام ، ثم يرسلون على الندماء مطرها دفاقا ، ويفعلون هذا قصدا لا اتفاقا « 2 » . وبهذا ذكرت شناعة أقيمت في زماننا بمثل هذا على رجل أعلم براءته من حديثها المفترى ، وكذبها الشائع في الورى ، وإذا كان قد رمي بهذا الافتراء رجل من أهل عصرنا ، ومن أهلّة مصرنا كيف لا يكون قد رمي به هؤلاء مع بعد زمانهم ، وموت من له علم بشأنهم ، وإنّما ذكرنا ما قيل ، ولو أنكرنا هذا دفعا عنهم لما كان إلى الإنكار سبيل « 3 » . ومن شعره المرهف لحدّ الأفهام ، المسعف بأفخر من الدّرر التوام . . . قوله : [ الخفيف ]
هامش
( 1 ) في الأصل ( اندحي ) ولا معنى لها ، وأفدنا من مقدمة الأستاذ هلال ناجي المذكورة سلفا ، ص 33 ، وينظر معاهد التنصيص ، 2 / 12 ، ففيها ( الإيذجي ) . ( 2 ) تنظر يتيمة الدهر ، 2 / 394 ، ومعاهد التنصيص ، 2 / 12 . وللسري الرفاء أبيات في ذلك المجلس يصفه . ( 3 ) ينقل المؤلف الحادثة القديمة إلى أخرى شبيهة قيل إنهّا وقعت في زمانه ، وهو في نقله لهما مع تحفظّه الشديد عليهما إنّما يعمل حسّه التاريخي في نقد الخبر ، وترك التسرّع في تصديق ما يلقى بين يديه من أخبار وهذا شأن الباحث الثبت .