تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
وقماشها جنة وحريرا ، قد سلط الله عليها النار التي ما لها ردة ، وأحرق أزهار ثيابها الملونة بوردة ؛ ونظرت إلى الوراقين وقد زال ما بها من الطرائف ، وطاف عليها من الدثور والخراب طائف ، فيا ضياع أوضاعها المكونة ، ويا سواد وجوه أوراقها الملونة ، ولمحت اللبادين وقد صارت كالعهن المنفوش ، ومحيت بأيدي النار سطور كل خاتم منقوش ، وأصبح أهلها كالحمائم تنوح على أقفاصها ، وتود اللآلئ أنها لم تخرج إليهم من مغاصها ، فما منهم إلا ربّ نعمة سلبت ، أصبح بعد الجديد في خلق ، أو غنيّ أمسى بعد ما ضم قفصه يكدي في الحلق ، وكادت الخضراء « 1 » تذهب بالنار الحمراء . قال : فلما رأيت تلك الأطلال الدائرة ، ونسخ هاتيك الظلال المتصلة بالهاجرة ، وخطوطها وزواياها كيف أحاط بها سوء الدائرة : قلت عند مشاهدة تلك الحال في الحال : [ الطويل ]
حريق دمشق قد بدا لعياني * ليظهر لي عند البيان معاني
غدت ناره في الجو تعلو وترتقي * كأن لها عند النجوم أماني
لقد ضوّأ الآفاق لامع برقها * وما كلّ برق شمته بيماني
وقد كاد يمحو آية الليل ضوؤها * ويبدي نهارا بعد ذلك ثاني
ونالت عنان الجو حتى رأيتها * يصرفه من تحتها بعنان
وطالت إلى نهر المجرة في السما * لتقصد شيّ الحوت والسرطان
فأبصر أهل النيل لما ترفعت * نجوم شرار في سماء دخان
كأن دخان النار غبراء مغزل * وكل شرار فيه مثل سنان
ولو لم تكن نار الأعادي لما غدت * وحنّاؤها باد بكل بنان
ولا صبغت بالزعفران قميصها * سرورا ولا طالت بكل لسان
هامش
( 1 ) الخضراء : قصر معاوية ، ويقع جنوبي الجامع الأموي .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 490 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام