تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
فرأى خطه وشيا مرقوما ، ولفظه رحيقا مختوما ، ووجده مختوما على درر كلامية ، وبشر منامية ، وحديث نفس عصامية ، نرجو من الله أن نشاهد ذلك أيقاظا ، ونكون لأنبائه حفاظا ومنه قوله يصف يادة النيل : وأقبل يعب عبايه ، ويكاثر البحر المحيط انسكابه ، ويطاوله
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ
« 1 » وأمر زيادته يعظم عن الشرح ويكبر ، ومشاهده لقدرة الله فيه يتلو
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
. « 2 » وقد تلقته البلاد تلقي المحب لحبيبه ، والعليل المرتقب لطبيبه ، وهو كلما حل بقعة صد صدا ، وأجدى جدا ، وكلما حباها بأصبع شكرت له يدا ، وكان قد وصل في أثناء ذلك المفرد من الأعمال القوصية مخبرا بوفائه ، واقتضى مذهبنا الشريف الحكم بخبر المفرد ، والعمل بما عنه يروى وإليه يستند ، ومع ذلك حصل التثبت إلى أن نقل هذا الأمر من الخبر إلى العيان ، واستحق خليج مصر أن يفك عنه الحجر ، ويجري مطلق العنان ، ومن غرائب هذا البحر وإن كثرت فيه الغرائب ومنه الغرائب ، أنّه كلما تكدر تتبسم له الثغور وتفتر ، وأنه نيل أزرق وبصبغه تروق البلاد وتخضر ، وسطرناها والخواطر الشريفة واثقة بسقيا أمنت من فوتها ، والعيون ناظرة إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ، والديار المصرية قد غدت للري في أكمل زي ، وأبدت تموج الحلل وتبرج الحلي ، وزهت حسنا بالزيادة في الحسنى ، وتلا على ساكنها لسان الرحمة
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
« 3 » فالمجلس يحمد الله لما أعاده على الوجود من إشراقه وأنسه ،
هامش
( 1 ) سورة قاطر : 12 ( 2 ) سورة لقمان : 27 . ( 3 ) سورة النور : 55 .