تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
تفضل المولى إذا زاره * طيفي خيالي منه أن زرته
ورد على المملوك ، أدام الله نعمة الجناب العالي الكمالي ، ولا أسهر جفنه إلا في سبيل المكارم ، ولا سهدها إلا في تأويل رؤيا مغارم الفضل التي يراها من جملة المغانم ، وجعله يتغمر بحلمه هفوة الطيف ، وكيف لا يحلم الحالم - كتاب شريف حبب إليه التشبيه بنصب حبائل الهدب من الجفون ، والاستغشاء بالنعاس ، لعل خيالا في المنام يكون « 1 » ، وليغنم اجتماعه ولو في الكرى ، وتصبح عينه مدنية وإن مضى عليها زمن وهي من القرى ، وينعم طرفه من التلاقي بأحسن الطرف ، ويقول : هذا من تلك السجايا ، أظرف الهدايا ، ومن تلك المزايا ألطف التحف ، ويرفع محل الطيف فيرقيه من الهدب في سلالم ، بل يمطيه طرف طرفه ويجعلها له شكائم ، لا بل يرخيها لصونه أستارا ، ولا يصفها بأنها دخان إذ كان يجل موطن الطيف الكريم أن يؤجج نارا ، ويعظمه عن أنه إذا أرسل خياله رائدا ، أن تتعبه المناظر ، وأن يكلفه مشقة بسلوك مدارج الدموع ، إذ هي محاجر ، ثم يخشى أنه يحصل نفور من التغالي في وصف الدموع بأنها سيول ، فيهوّل من أمرها ما يهول ، ويقول : هل الدمع إلا ما يرش به بين يدي الطيف ؟ وهل الهدب على تقدير أنها دخان إلا ما لعله يرتفع لما يقرى به الضيف ؟ وعن إبراد الأجفان بهذا ، وإسخان العيون بهذه ، وهل هما لإيلاف الخيال إلا ما يقصده من رحلة الشتاء ورحلة الصيف ؟ ثم يحتقر المملوك إنسان عينه عن أنه يلزمه هذا الأمر تكليفا ، ويتدبر قوله تعالى :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
« 2 » ويقول له : لا تطيق القيام بما لهذه الزورة للزوم من الوظيفة ، لأن
هامش
( 1 ) هو عجز بيت للمجنون ، في ديوانه 265 ، تمامه :وإنّي لأستغشي وما بي نعسة * لعلّ خيالا في المنام يكون( 2 ) سورة النساء : 28 .