فمنها التّم « 1 » ، الذي هو أتمها صورة ، وأعظمها سورة ، قد علا على الغيوم لرمي بنادق النجوم ، وخاض بحر الظلام ، وعبّ فيه ، وأخذ منه قطعة بساقيه وقطعة بفيه ، حتى ورد على جبال من برد ، فاكتسب منها رياشه ، واكتسب من بياضها أرياشه .
ثم الكيّ « 2 » ، الذي هو في طيرانه ، واعتنانه في مضماره واستنانه ، كالفارس في ميدانه ، كأنه النجم في حالة الرجم ، لو عارضه السماك لاقتلعه ، أو الحوت لابتلعه .
ثم الإوز « 3 » ، الذي يمشي متبخترا ، وينقر متحذرا ، كأنما يدوس على مثل حد السيف ويمتاز على أبناء جنسه برحلة الشتاء والصيف ، يبيت على فرد رجل واحدة ، ويرمق موهما أن عينه راقدة ، وليست براقدة .
ثم اللغلغ « 4 » ، الذي يوافي من بلاد الخزر ، ولا يتقي من البندق سهام القدر ، ولا يخشى أن تصيبه عين من الوتر ، لا يحارب إلا بسحر الجفون من خزر العيون ، ولا يستجن إلا من تدبيج الصدر بزرد موصون .
ثم الأنيسة « 5 » ، تتهادى تهادي الطاووس ، وتختال اختيال العروس ، حتى تلتقط حبات القلوب ، وتصيد سوافر النفوس ؛ كم قطعوا في طلبها من أنهار نهار ، وسمحوا بإنفاق أكياس النجوم من خزائن الليل وما فيها من درهم ودينار ، فما فازوا بوصالها ، ولا ظفروا إلا من على وجه الماء بطيف خيالها .
هامش
( 1 ) التمّ : طائر نحو الإوزّ ، في منقاره طول ، عنقه أطول من عنق الإوز . ( حياة الحيوان 1 / 231 ) .
( 2 ) لم يذكره العمري في مسالك الأبصار ج 20 ، ولا الدميري في حياة الحيوان .
( 3 ) مسالك الأبصار 20 / 64 وحياة الحيوان 1 / 66 والمستطرف 2 / 446 .
( 4 ) هو اللّقلق . مسالك الأبصار 20 / 90 وحياة الحيوان 2 / 308 والمستطرف 2 / 519 .
( 5 ) حياة الحيوان 1 / 64 والمستطرف 2 / 446 .