عدنا إلى ابن العطار :
ومنه رسالته في البندق أولها : أما بعد حمد الله على ما أسبغ من نعمائه ، ووالى من آلائه ، وأباح الإنسان من شرائه ، وفسح له فيما يتدرب به ليوم هيجائه ، ويعده من قوة لدفع الصائل عليه من أعدائه ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وصحبه وخلفائه وحلفائه ، ما مدّ الكف الخضيب وتر البرق لقوس الغمام ، وحلق طائر الفجر نحو الغرب من وكر الظلام ، فإن الصيد مما اتفقت الشرائع المختلفة على تحليله ، ولهجت النفوس الأبية ، بتقديمه على سائر الملاذ الرياضية ، وتفضيله مع أنه الراحة التي لا تنال إلا بتجشم التعب ، والمسرة التي لا تدرك إلا بعد النصب واللغب ، وألذه من القلوب موقعا ، وأمكنه من النفوس موضعا ، ما أدركه المرء بنفسه واكتسابه ، لا بمشاركة بزاته وفهوده وكلابه ؛ ولذلك أجهد نفوسهم فيه كثير من الملوك والخلفاء ، ولم يرضوا بالصيد من وجه الأرض ، فعمدوا إلى الصيد من كبد السماء ، ولم يجدوا ذلك إلا في صرع الطائر الجليل ، الذي لا يشترك فيه صغير مع كبير ، ولا حقير مع جليل ، ولو لم يكن فيه مع حصول المراد ، إلا السلامة من التقطر عن الجياد ، لكان أولاها بالاختيار ، وأحقها عند الاختبار ، وأنفوا من بقايا كسائر ، كأشلاء الذئاب ، وفضلات ما أكلته الفهود ، وولعت به الصقور ، وولغت فيه الكلاب ، فعمد كل منهم إلى الانفراد في رمائه ، وصرع كل طائر يتخبط في ذمائه ، مخلّق بدمائه ، مراصد بارتقائه لعيون الأوتار في التفافه وتحليقه ، حذر في حالتي اجتماعه وتفريقه ، وتغريبه وتشريقه ، وإذا فكر اللبيب فيما أودعه الباري جلّ جلاله من القوى فيها ، ظهر له أسرار ما أخفاه من بدائع صنعه بين قوادمها وخوافيها .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 381
مساهمون: أحمد بن يحيى العمري
ص٣٨١