تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
مصر لأنها قد حظيت بسكناه ، وغدت في بحرين من فيض البحر وفيض يمناه ، فأصبحت تشمخ بأنفها ، وتسمو بطرفها ، وتجير من الأيام وصدفها ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ، أو سيقت إليه الجنة بنضارتها وسرورها « 1 » : [ الكامل ]
ما زلت تدنو وهي تعلو عزة * حتى توارى في ثراها الفرقد
وقد كان منتهى أمل الأولياء أن تعود الضالة إلى ربها ، وتفك الطريدة المغصوبة من يد عضبها ، فأتى فضل الله بما لم يؤمله أمل الآمل ، وعوض عن القطرة الواحدة بسحاب هاطل ، وهذه نعمة يضيق عنها مجال القول المعاد ، ويسرع بياضها في سواد الحساد ؛ فلو غدت الجباه ساجدة ، والقلوب حامدة ، والأيدي ترفع الدعاء بادئة وعائدة ، لما وفى ذلك بحقها ، ولا أخرج الأعناق من عهدة رقها ؛ وأحسن ما فيها أنها زارت على غير ميعاد ، وحثت ركابها من غير سائق ولا حاد ، وتخطت وقد ضرب دونها بسور من صدور الظبا ورؤوس الصعاد ، فلم يكن لأحد فيها منة سوى الله الذي قرب بعيد أسبابها ، وفتح مستغلق أبوابها ، وأبرزها على حين غفلة من حجابها ، فيجب على مولانا أن يختزنها بالإنفاق ، وأن يقيدها بالإطلاق ، وأن يقص أجنحتها لتظل طائرة في الآفاق ؛ والمملوك في هذه الوصية كصيقل نصل له من جوهره صقال ، وعاصر سحاب له من نفسه انهمال . ومنه قوله في المجانيق : ونصب المجانيق فأنشأت سحابا يخشى محلها ، ولا يرجى وبلها ، فما سيقت إلى بلد حي إلا أماتته ، ولم تأته إلا أتاه أمر الله إذ أتته ، فلم تزل تقذف
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي ، في ديوانه 1 / 334 .