عمّارا وفي الكيد عمرا « 1 » ، فلا تحظى به دولة إلا فخرت على الدول وقالت :
أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام لا على الأسل ، والقلم مزمار المعاني ، كما أن أخاه في النّسب مزمار الأغاني ؛ وكلاهما شيء واحد في الإطراب غير أن أحدهما يلعب بالأسماع ، والآخر يلعب بالألباب .
ومنه قوله :
وقلمه هو الذي إذا قذف بشهب بنانه رأيت نجوما ، وإذا ضرب بشبا حدّه رأيت كلوما ، وإذا صور المعاني في ألفاظها رأيت أرواحا وجسوما ، ولطالما قال فاستخفّ موقّرا وكسا وقارا ، وأطال فوجدت إطالته بحلاوته إقصارا ، فهو دقّ المعاني المخترعة ، يستخرجها من قليبها ، ويبرزها في ثوبها القشيب ، وليس خلق الأثواب كقشيبها ، يجتني معانيه من ثمرات مختلفة طعمها ، وينسج ألفاظه من ديابيج مؤتلفة رقمها .
ومنه قوله في ذم كاتب :
لا يمشي قلمه في قرطاس له إلّا ضلّ عن النّهج ، ولا يصوغ لفظا إلّا قيل : ربّ حدث من الغم كحدث من الفرج ، ولكن ما كل من تناول قلما كتب ، ولا كل من رقا منبرا خطب ، والدّعاوى في هذا المقام كثيرة ، ولكن ليس القنا كغيرها من القصب .
ومنه قوله « 2 » :
وكان بين يدي شمعة تعمّ مجلسي بالإيناس ، وتغنيني بوحدتها عن كثرة الجلاس ، وينطق لسان حالها أنّها أحمد عاقبة من مجالسة النّاس ؛ فلا الأسرار
هامش
( 1 ) يقصد : عمر بن الخطاب في فتوحاته ، وعمار بن ياسر في هديه ، وعمرو بن العاص في كيده .
( 2 ) الوافي بالوفيات 27 / 38 ورسائل ابن الأثير 96 - 97 .