تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
باسمه ، وخدم الأبواب الإماميّة ، فقدّم على الأولياء ، وتمسّك بالأسباب العلمية ومواريث الأنبياء ، وكتب للدّولة النّورية فازدادت به نورا على نور ، وازدانت منه بفرائد بحور على نحور ، واتصل بالمقام الصّلاحي ، فأصلح الفاسد ، وأربح الكاسد ، وكان بالخدمة النّاصرية كاتب الإنشاء بها حقيقة ، وساحب ذيل كلّ حديقة ؛ وأمّا الفاضل فكان قد رفّع عنها وكبّرها ثم كان أكبر منها ، وكان العماد بحرا يتلاطم موجا ، وأفقا يتلألأ أوجا ، وكان ملازما للسّلطان سفرا وحضرا ، ووردا وصدرا ، ومحصّلا بصحبته آلافا وبدرا . وكان فقيها جدليّا ، عالما فاضلا ، أديبا ، أريبا ، كاتبا ، شاعرا ، ناظما ، ناثرا ، ذا تصرّف في البيان ، وتفنّن في الكلام ، لو ازدحم عليه ألف بريد لجهزة ، أو نظم كلّ فريد لما أعجزه ؛ وله الجيّد النّادر ، والغضّ النّاضر ، والبعيد المرام عمل الوقت الحاضر ، وله التأليفات الكثيرة ، والمصنّفات المفيدة ، والرسائل البديعة ، والقصائد الصنيعة ، إلا أنه كان متطبّعا متصنّعا ، يظهر عليه أثر الكلفة وثقل التصنّع ، مغرى بالتجنيس مع ما فيه من الكلّ على المسامع ، لقرب مخارج الحروف ، مما تنفر منه الطباع . وسئل الفاضل عنه ، فقال : سيّدنا العماد ، مثل الزناد ، ظاهره بارد ، وباطنه واقد . وكان محلّ الثقة من الفاضل ، آمنا من توثبه عليه ، وتغلبه على ما جعله السّلطان إليه ، وبهذا كان يطمئنّ إذا غاب مع ما ينويه من قلب السّلطان . وكان « 1 » العماد شديد الحرص على تحصيل الدّنيا ، وكان الفاضل يلومه ويعتبه ، ويعذله ويؤنبه ؛ فبعث مرة يشكو إليه ضرورة ، فكتب إليه الفاضل :
هامش
( 1 ) نقله المقريزي في المقفى 7 / 206 .