تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
يفيده ، وإن استعظم هذا المأمول ، واستقصر دون هذا المبذول ، فالذي وقع أعظم من الذي يتوقع ، والذي طلع أكثر من الذي يتطلع ، والذي رأى أمس أكثر من الذي يسمع ، وقد علم الله سبحانه أنه لا يريد دنيا يريدها لدنيا يتزيدها ، ولكن ليقوى بها على تقوى يتزودها ، فإن أعين على النّية ، وإلا فقد حصل أجرها ، وإن نجح جهد الإرادة في الدّنيا ، وإلا فقد سرّ في الآخرة سرّها . ومنه قوله : كلّ ما يرد على عبد المجلس - لا زلت المسارّ على جانبه واردة ، والأيام بامتداد عمره واعدة - من أنفاسه العطرة ، وكتبه البهجة النّضرة ، ولاء رأيه التي تمطر من صدرت إليه صوب الصّواب ، وتجعل لمن صدرت عنه ثوب الثواب ، وتشهد له بالفضل الذي ليس له جاحد ، وتذكرت بيت أبي عبادة « 1 » : [ الطويل ]
ولم أر أمثال الرّجال تفاوتوا * إلى الفضل حتّى عدّ ألف بواحد
ثم سلك عبده غير هذا الجدد ، ولا يقف عند هذا العدد ، وينشد قول الآخر : [ الطويل ]
وما النّاس إلا قدحة أنت زندها * وقطرة غيث أنت منشي سحابها
فلا عدمت دول الإسلام ، وصدور الأيام ، منه البقية الصالحة ، والحسنة الراجحة ، والسيف الذي يبلي الأيام فهي غمده ، وينظم الساعات محاسن فهي عقده ، وإن تأخرت خدم عبده عن مجلسه ، وأمسك عن أن يقابل بدجاه نور قبسه ، فقد علم أدام الله نعمته أن الطريق ليس بقاصد ، والعدو ليس بواحد ، وأن
هامش
( 1 ) ديوان البحتري 1 / 625 .