تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وللمغرب مغرّبا . فأما ما يؤثر عن أقلامه ، فهو النّافث للسّحر في عقدها ، والمنوّر للأبصار بكحل إثمدها ؛ فضح الزهر بكلمه ، وفتح الأقاليم بقلمه ، وكتب فيما لا يعقبه ندم ، وبارى قلمه السّيوف ، ففعل أكثر منها ولم يتلطخ بدم ؛ كم نكّس رماح الكفر فقصم أصلابها ، وفصم أسبابها ، وغزاها بأسطره ففلّ جيوشها ، وثلّ عروشها ، وحطّ صلبانها ، وحطّم فرسانها ، وأعاد بيعها مساجد ، وصوامعها معابد ، وبدّل الكفر بالإيمان ، وأسكت النّاقوس للأذان ، وعزّل مكان الإنجيل للقرآن ، وقسى على القساقسة « 1 » وأرهب الرّهبان ؛ وكاتب الخلافة ، فكانت سطوره حلية شعارها ، وسواد مداده سؤدد فخارها ، وتأخّر السّهم وتقدّم ، وخرس مجاوبه فلمّا كلّمه تكلّم ؛ وحضر مواقف الحرب ، فكان فارسها البطل ، ورأيه سيفه الضّارب ، ومواضع الحصار ، وكان منجنيقه الرّامي ، ويراعه سهمه الصّائب ، وكان هو المحرك للعزائم النّوريّة « 2 » على تطهير مصر من دنس أولئك الضّلّال « 3 » ، ودرن تلك الأيام اللّيال ، بل كانت أشد من اللّيالي ، لتراكم ظلام تلك البدع ، وتفاقم ضلال ذلك الدّين المبتدع . ولقد كان وهو في ديوان تلك الدّولة يتحرّق على كشف بدعها ، وكف شنعها ، وكرّ جنود اللّه على شيعها ؛ ووقفت على قصيدة كتبها إلى الشّهيد نور الدّين ابن زنكي رحمه الله ، يقول فيها « 4 » : [ الطويل ]
وما بعد مصر للغنى متطلّب * وما بعد هذا المال مال فيكتسب
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . وجمع قسّ : قسوس ، وقسّيسون ، وقساوسة . ( القاموس ) ( 2 ) يقصد السلطان العادل نور الدين الشهيد رحمه الله تعالى . ( 3 ) يقصد الدولة الفاطمية . ( 4 ) ديوان القاضي الفاضل 417 .