تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وضوح البدر ، كاثر ببدائعه النّجوم الثّواقب ، وبنتائج قرائحه سجوم السّحائب ، فجاءت عربا أبكارا ، وشهبا لا تلجّ أفكارا . وولع بصنعة الكيميا ، فشب لهبا ، وصبّ أدبا لا ذهبا ، وأذهب زمانا بها في العناء ، وطلب الغنى من غير الغناء ، فلم يجد بغيته ، ولم يزد على أن صفّر وجهه ، وبيض لحيته ، فردّ خائبا ، واشتعل رأسه شائبا ؛ وطالما شمر طلب الصّنعة دروعه ، وصعّد أنفاسه وقطّر دموعه ، وكان من فيض السّلطان في غير البشير ، وفي حبر من الإكسير ، إلّا أنه تعلّق بعلم أحابر ، وعلق حكم الصّنعة عن أكابر ، وشدّ الأوصال ، وامتدّ لأن تسمح له بالوصال ، فكان لو شعر به ابن أميل ، لمال إليه كلّ الميل ، أو تشبه به ابن يزيد ، لما كان عليه مزيد ، ومع طول معاناته ، وبعده تارة ومداناته ، لم يحصل على غير ارتقابها ، ولا ظفر من ليلى بحطّ نقابها ، فكم ضيّع حاصلا ، وكدّ ولم يكن واصلا . وشعره أسير من نثره ، وأيسر في حجم قدره ، لأنّه إنما عانى النّثر وقد قارب أجله الانتهاء وقارب الرّحيل ، ودنت شمسه من الأفول . وهو صاحب « لاميّة العجم » التي فصّلت عرى « لاميّة العرب » وحلّت لامها ، ونكّبت من شفار الشّنفرى سهامها ، فلقد قوّت الشّعوبيّة ، واحتمت لعصابتهم ، حميّة العصبيّة ، وأخذت قسرا شجر البيان ، وحكمة ألسنة العرب وأدمغة اليونان ، وكادت تبتزّ من دولة العرب مدينة السّلام ، ولا تبقي لهم إلّا عائدة الملام ، وعنوان قوله منها « 1 » : [ البسيط ]
أريد بسطة كفّ أستعين بها * على قضاء حقوق للعلى قبلي
هامش
( 1 ) الأبيات من لاميته ، وهي في : الغيث المسجم 1 / 212 وما بعد ووفيات الأعيان 2 / 185 والوافي بالوفيات 12 / 436 ومعجم الأدباء 3 / 1110 وديوانه 301 - 309 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 125 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام