مجيدا في علم الغناء ، إذا غنّى اطّرح الوقار ، ورمى الأوائل بالاحتقار ، وكان يغنيه غناء عاما ، ويدنيه إدناء تاما ، وصنع عدة أصوات في مواضع من شعره ، كان يقترحها عليه ويقترحها من إضاءتيه ، وكان لا يزال حباؤه متكاثرا لديه متواترا تواتر المطر السكوب اليه .
وحكي أنه غنّى يوما [ ص 410 ] بين يديه : « 1 » [ البسيط ]
ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
فوثب القاضي الفاضل وكان إذ ذاك يكتب للصالح ، وأنشأ يقول :
[ البسيط ]
دعوا هريرة إن حلت وإن رحلت * فيكم تحل وعنكم ليس ترتحل
على فترة للجود عارضة * فما رأى الناس إلا أنكم رسل
دمتم لنا وأدام الله دولتكم * وسخرت لكم الأملاك والدول
هذا شجاع وهذي مصر في يده * والعمر والحسن والإقبال مقتبل
فوقعت منه وممن حضر ألطف موقع ، وأمر المغنّي فصنع فيه صوتا ، وغنّي به لوقته .
هامش
الملوك ، أصله من الشيعة الإمامية في العراق ، قدم مصر فقيرا فترقى في الخدمة ، ولي الوزارة للخليفة الفائز الفاطمي واستقل بأمور الدولة ، ونعت بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين ، ومات الفائز وولي العاضد فتزوج بنت طلائع ، فكرهت عمة العاضد استيلاءه على أمور الدولة وأموالها ، فدست له جماعة من السودان فقتلوه في دهليز القصر ، كان شجاعا حازما جوادا عارفا بالأدب شاعرا له ديوان شعر ، وكان يغزو الفرنج في البر والبحر وللشعراء فيه مدائح ومراث ، كان مقتله سنة 556 ه .
( وفيات الأعيان 1 / 238 دول الإسلام 2 / 51 المقريزي 2 / 293 مرآة الزمان 8 / 237 خريدة القصر قسم شعراء مصر 1 / 173 ) .
( 1 ) البيت مطلع قصيدة للأعشى في ديوانه ص 41 .