النهار والليل حتى أتى بها ماردين ، وقبرها في بعض دورها ، وتركها لا يحفل بأمورها ، ثم أحضرها ليسمع غناءها ، فما رآها حتى رابه أمره ، وخامر لبه خمره ، وتلف بها جوى في الجوانح ، وهوى صاد شركه الجوارح ، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب ، وكانت قد أنست إلى مسعود بن غدايفال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور ، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلا إليها إلا بأن حسّن لابن الملك المنصور حبّها وهون عليه قربها ، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل ، واتى مع ابنه إليها ، وباتا يحثان كؤوس الراح عليها ، فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت ، وحدثته ثقات خبره بالليلة التي جرت ، فأحل بمسعود المنحوس الحمام ، وأورده مورد الموت الحمام ، وقد خافت بنت الجنك فأمسكت خفيها على يديها وتدلت من الساتون « 1 » حتى ثبتت على الأرض قدميها ولقت هناك خدمها ، وكانت قد اتعدت مع ثقات لها منهم إلى هناك بالخيل ، وسارت تقطع وتسابق السحاب الركام ، حتى وافت مدينة سنجار « 2 » ، وبها الأمير يحيى بن الجلال ، فاستجارت به فأجارها ، ووسع تحت نقاط يده وجارها « 3 » ، وأتى الخبر الملك المنصور ، فقتل صبرا ، ولام أهل مشورته للتدبير ، وبعث رسله إلى ابن الجلال يعتب ، فضم ظهور المطي ، وخصم ألسنة الملي البدري وأعلمه بما يجد لفرقتها ، ويكوى به من نار حرقتها ، فبعث بها إليه فتلقاها وأقرها لديه على أتم الأحوال وأبقاها ، وذهب دم ابن غدا يفال هدرا ، وكان حمه لها قدرا .
هامش
( 1 ) الساتون أو الشاتون لعلّها كلمة تعني الشرفة .
( 2 ) سنجار : مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة بينها وبين الموصل ثلاثة أيام .
( ياقوت : سنجار )
( 3 ) الوجار : الجحر ، جحر الضبع والذئب والأسد ، واستعاره هنا لسعة الرعاية .