تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
كان بيده ، وعدلت عن الصوت إلى غيره ، وكان ذلك اليوم والله آخر جلوسي معه . قال : وتوفي إسحاق ببغداد أول خلافة المتوكل ، وكان يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه ، فأصابه ذرب « 1 » في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومئتين ، وكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم ، ثم ضعف عن الصوم ، ومات في رمضان . لما تولى المتوكل الخلافة بعد الواثق ، طلب إسحاق ، فلما حضر رمى إليه مخدة وقال : اجلس عليها ، فإني سمعت أن المعتصم أول يوم خلافته رمى إليك بها وقال : ما يستجلب ما عند الحر إلا بالكرامة ، وسأله سماع شيء من أغانيه ، فغناه لحنه نظمه في نفسه وعماه : « 2 » [ البسيط ]
ما علّة الشيخ عيناه بأربعة * تغرورقان بدمع ثم تنسكب « 3 »
فأنعم عليه بمائة ألف درهم وصرفه ، وسأله العود فتوجه من سر من رأى [ ص 197 ] إلى بيته ببغداد ، فتوفي بعد شهر ، فبلغ المتوكل وفاته ، فغمه وحزن عليه . قال إدريس بن أبي حفصة يرثي إسحاق الموصلي : « 4 » [ الطويل ]
سقى الله يا بن الموصلي بوابل * من الغيث قبرا أنت فيه مقيم
ذهبت فأوحشت الكرام فما يني * بعبرته يبكي عليك كريم
إلى الله أشكو فقد إسحاق إنني * وإن كنت شيخا بالعراق مقيم
هامش
( 1 ) الذّرب : داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ويفسد فيها ولا تمسكه . [ المراجع ] . ( 2 ) البيت لإسحاق الموصلي في ديوانه ص 99 والأغاني 5 / 428 . ( 3 ) بأربعة : يريد بالأربعة اللحاظين والموقين للعينين ، فإن الدمع يجري من الموقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظين أيضا . ( 4 ) الأبيات لإدريس بن أبي حفصة في الأغاني 5 / 446 .