تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
لحاجة ، فإذا هو قد نزع ثيابه ، وتجرد منها خوفا من المطر ، ووقف تحت السماء لا يواريه شيء ، والمطر يأخذه ، فرفع رأسه فقال : يا رب أنت تعلم أني مله ولست نائحا ، وعبدك هذا الذي رفعته عليّ وأحوجتني إليه ، يقول لي أحسنت ، ولا يقول لي أسأت ، وأنا منذ جلست أقول له بنيت ولا أقول له هدمت ، فيحلف بك جراءة عليك أني بغيض ، فاحكم بيني وبينه يا سيدي ، فأنت خير الحاكمين . فغلبني الضحك وأمرت به فجيء ، وجهدت به في أن يغني ، فامتنع حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره يا أمير المؤمنين ، وخدعته فلم أسمّ له ما أفرشها به ، فقال الرشيد [ ص 163 ] : طيب والله [ الآن ] تمّ لنا اللهو ، هو ذا ادعوه ، فإذا رآك فسيتنجز لك الفرش ، لأنك حلفت له بحياتي ، فهو يقتضيك ذلك بحضرتي ليكون أوثق ، فإن قال لك فيه فقل : أنا أفرشها لك بالبواري « 1 » ، وإن شئت فالبردي « 2 » من الحصر ، وحاكمه إلي ، ثم دعا به فأحضر ، فلما استقر في مجلسه قال لجعفر : الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين الذي تفرش به داري تقدم فيه ، فقال له جعفر : تخير إن شئت فرشتها لك بالبواري ، وإن شئت فالبردي من الحصر ، فضج واضطرب ، فقال له الرشيد : وكيف كانت القصة ؟ [ فأخبره ] فقال له : أخطأت يا أبا صدقة ، إذ لم تسمّ النوع ولم تحدد القيمة ، فإن فرشها لك بالبواري ، أو بما دون ذلك ، فقد وفي بيمينه ، وإنما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثقت ، وضيعت حقك ، فسكت وقال : نوفر عليه أيضا ، البردي والبواري أعزّه الله . وغنى المغنون ، حتى انتهى الدور إليه ، فأخذ يغني غناء الفلاحين والملاحين والسقائين ، وما جرى مجراه من الغناء ، فقال له الرشيد : وأي شيء هذا من الغناء
هامش
( 1 ) البواري : جمع البارية ، وهي الحصير المنسوج . ( 2 ) البردي : نبات مائي من الفصيلة السعدية تسمو ساقه الهوائية إلى نحو متر أو أكثر ينمو بكثرة في منطقة المستنقعات بأعالي النيل وصنع منه المصريون القدماء ورق البردي المعروف .