تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنا * نرى فرجا يشفي السّقام قريبا
فأمسكت عن الجواب خوفا أن يظهر ما يفضحني وإياها ، وعرفت ما أرادت ، ثم تفرق الناس وانصرفنا ، فتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها ، وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها ، فلم تزل تتلطف حتى وصلت إليها فتلاقينا على حال مجالسة ، فشاع حديثنا ، فحجبها أهلها ، فسألت أبي أن يخطبها ، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها ، فخطبوها ، فقال : لو كان فعل هذا قبل أن يفضحها لأسعفته بما التمس ، فأما الآن وقد عرّها « 1 » فما [ ص 103 ] كنت لأحقق ظن الناس بتزويجها إيّاه ، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي . قال معبد : فسألته أن ينزل فحبرني « 2 » ، وصارت بيننا عشرة ، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب ، فأتيته وكان أول صوت غنيته في شعر الفتى ، فطرب عليه طربا شديدا ، فقال : ويحك ، ما سمعت هذا منك قط ، فقلت : إن لهذا الصوت حديثا ، قال : فما هو ؟ فحدثته ، فأمر بإحضاره ، فأحضر الفتى بين يديه ، فاستعاده الحديث ، فأعاده عليه ، فقال : هي في ذمتي حتى أزوجك أيّاها ، فطابت نفسه ، فأقام معنا حتى أصبح وغدا جعفر إلى الرشيد ، فحدثه الحديث العجيب ، فأعجب منه ، وأمر بإحضارنا جميعا ، فأحضرنا وأمر أن أغنيه الصوت ، فغنيته فشرب وطرب ، وأمر من وقته بكتاب إلى عامل المدينة بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته ، فلم يمض إلا مسافة الطريق ، فأحضروا ، وأمر الرشيد بإيصاله إليه ، فأوصل وخطب الجارية للفتى ، وأقسم لا يخالف أمره ، فأجابه أبوها ، وحمل إليه الرشيد ألف دينار لنفقة الطريق ، وألف دينار لجهازها وأمر للفتى بألفي دينار ، ولي بألف دينار ، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله ، وكان الفتى بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى .
هامش
( 1 ) عرها : من المعرة ، الأذى والمساءة والمكروه . ( 2 ) حبرني : سرني ، من الحبور وهو الفرح والسرور .