تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وينشج « 1 » [ ص 103 ] أشد نشيج ، فلما رأيت النبيذ قد شد قلبه ، كررت عليه صوته مرارا ثم قلت : حدثني حديثك ، قال : أنا رجل من أهل المدينة ، وخرجت متنزها في ظاهرها ، وقد سال العقيق في فتية من أترابي ، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له ، فجلسن حجزة « 2 » منا ، وبصرت بفتاة كأنها قضيب قد طله الندى ، فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس ، وانصرفت وقد أثبتت في قلبي جرحا بطيئا اندماله ، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ « 3 » ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد ، فلم أر لها أثرا ، فجعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها ، فلم أحسّ لها بعين ولا أثر ، وسقمت حتى أيس مني أهلي ، وخلت بي ظئر لي « 4 » واستعلمتني وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبه ، فأخبرتها بقضيتي ، فقالت : لا بأس عليك ، هذه أيام الربيع ، وهي سنة خصب وأنواء ، وليس يبعد عنك المطر ، فأخرج أنا وأنت إلى العقيق ، فإن النسوة سيجئن ، فإذا فعلن فرأيتها عرفتها حتى أتبعها فأعرف موضعها فأتبعها وأصل بينك وبينها ، وأسعى لك في تزويجها ، فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك ، ووثقت به ، وسكنت إليه ، فقويت نفسي وتراجعت ، وجاء مطر بعقب ذلك ، فسال العقيق ، وخرج الناس وخرجت مع إخواني ، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه كما كنا والنسوة أقبلن ، فأومأت إلى ظئري فجلست حجزة منا ومنهن وأقبلت إلى إخواني فقلت : لقد أحسن القائل : « 5 » [ الطويل ]
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت * وقد غادرت جرحا به وندوبا
فأقبلت على صويحباتها وقالت : أحسن والله القائل حيث يقول : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) ينشج الباكي : تردد البكاء في صدره من غير انتحاب . ( 2 ) حجزة : ناحية . ( 3 ) الوقيذ : الذي يغشى عليه لا يدرى أميت هو أم حي ، والشديد المرض المشرف على الموت . ( 4 ) الظئر : المرضعة والمربية . ( 5 ) البيت والذي يعده في الأغاني 14 / 118 .